الفيض الكاشاني
60
الشافي في العقائد والأخلاق والأحكام
يصل إلى الإنسان لا محالة ، طلبه أم لا وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها « 1 » ، وأنّ الآخرة طالبة أيضا ، لأن الأجل مقدّر كالرزق مكتوب قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذاً لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا « 2 » . « لا تزغ قلوبنا » الزيغ هو العدول عن الطريق « ورداها » أي هلاكها « لم يخف اللّه من لم يعقل عن اللّه » أي من لم يأخذ علمه عن اللّه كالأنبياء والأوصياء وكلّ من اقتبس من أنوارهم ، وذلك لأنّ غيرهم إمّا مقلّد محض كالعامّي ، أو جدلي ظانّ كالكلاميّ ، وكلّ منهما لم يعرف أنّ الذي يصل إليه يوم القيامة إنّما هو من نتائج أخلاقه وتبعات أعماله التي لا ينفكّ عنها للعلاقة الذاتية بين الأشياء وأسبابها ، فلم يخش من اللّه حقّ خشيته و إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ « 3 » أهل اليقين والبرهان ، وأهل الكشف والعيان ، فإنهم العارفون بأنّ الآخرة إنّما تنشأ من الدنيا على الإيجاب واللزوم علما قطعيّا من غير تخمين وجزاف ، فهؤلاء هم الذين عقدت قلوبهم على معرفة ثابتة غير قابلة للزوال . « ولا يكون أحد كذلك » أي عالما ربّانيا عاقلا عن اللّه « إلّا من كان قوله لفعله مصدّقا » أي لا يدلّ قوله على خلاف ما يدلّ عليه فعله إلّا بظاهر منه كالفعل ، وناطق عنه كالقول . « أفضل من العقل » أي أفضل ما يتقرّب به العبد إلى اللّه هو تكميل العقل باكتساب العلوم الحقيقية الأخروية والمعارف اليقينية الباقية المأخوذة من اللّه سبحانه دون غيره من الطاعات والعبادات البدنية والمالية والنفسية ، كما ورد عن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم « يا عليّ ، إذا تقرّب الناس إلى خالقهم بأنواع البرّ ، فتقرّب أنت إليه بالعقل حتى تسبقهم » « 4 » . « لا يشبع من العلم دهره » إذ لا نهاية له ، وفيه إشارة إلى أنّ العلم غذاء الروح ، به يتقوّى ويكمل ، وبه حياته . « الذلّ أحبّ إليه مع اللّه من العزّ مع غيره » لعلمه بأنّ العزة للّه جميعا بالذات ، ولما سواه بالعرض ، فالعزيز من أعزّه اللّه ، فمن كان مع اللّه بالفناء عن نفسه
--> ( 1 ) . هود ( 11 ) : 6 . ( 2 ) . الأحزاب ( 33 ) : 16 . ( 3 ) . فاطر ( 35 ) : 28 . ( 4 ) . مشكاة الأنوار : 251 .