الفيض الكاشاني
54
الشافي في العقائد والأخلاق والأحكام
يستفاد منه مدح العقل والعقلاء وذم الجهل والجهلاء وما يدلّ على مدح القلّة وذم الكثرة وتحلية أولو الألباب بأحسن حلية . ثم قال : « يا هشام ، إنّ اللّه تعالى يقول في كتابه : إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ « 1 » يعني عقل ، وقال : وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ « 2 » قال : الفهم والعقل . يا هشام ، إنّ لقمان قال لابنه : تواضع للحقّ تكن أعقل الناس ، وإنّ الكيّس لدى الحق يسير « 3 » . يا بني ، إنّ الدنيا بحر عميق قد غرق فيه عالم كثير ، فلتكن سفينتك فيها تقوى اللّه ، وحشوها الإيمان ، وشراعها التوكّل ، وقيّمها العقل ، ودليلها العلم ، وسكّانها الصبر . يا هشام ، إنّ لكلّ شيء دليلا ، ودليل العقل التفكّر ، ودليل التفكّر الصمت ، ولكلّ شيء مطيّة ، ومطيّة العقل التواضع . وكفى بك جهلا أن تركب ما نهيت عنه . يا هشام ، ما بعث اللّه أنبياءه ورسله إلى عباده إلّا ليعقلوا عن اللّه تعالى ، فأحسنهم استجابة أحسنهم معرفة ، وأعلمهم بأمر اللّه أحسنهم عقلا ، وأكملهم عقلا أرفعهم درجة في الدنيا والآخرة . يا هشام ، إنّ للّه على الناس حجّتين : حجّة ظاهرة وحجّة باطنة ، فأمّا الظاهرة فالرّسل والأنبياء والأئمة ، وأما الباطنة فالعقول . يا هشام ، إنّ العاقل الذي لا يشغل الحلال شكره ، ولا يغلب الحرام صبره . يا هشام ، من سلّط ثلاثا على ثلاث فكأنّما أعان على هدم عقله : من أظلم نور تفكّره بطول أمله ، ومحا طرائف حكمته بفضول كلامه ، وأطفأ نور عبرته بشهوات نفسه ، فكأنّما أعان هواه على هدم عقله ، ومن هدم عقله أفسد عليه دينه ودنياه . يا هشام ، كيف يزكو عند اللّه عملك ، وأنت قد شغلت قلبك عن أمر ربك ، وأطعت هواك على غلبة عقلك ! يا هشام ، الوحدة علامة قوة العقل فمن عقل ، عن اللّه اعتزل أهل الدنيا والراغبين
--> ( 1 ) . ق ( 50 ) : 37 . ( 2 ) . لقمان ( 31 ) : 12 . ( 3 ) . أسير . خ ل .