الفيض الكاشاني

42

الشافي في العقائد والأخلاق والأحكام

الجهل وجنوده ، وفّقنا اللّه وإيّاكم لطاعته ومرضاته » « 1 » . * بيان « العرش » عبارة عن جميع الخلائق كما ورد في الحديث « 2 » ويأتي ذكره ، ويمينه أقوى جانبيه وأشرفهما وهو عالم الروحانيات كما أن يساره أضعفهما وأدونهما وهو عالم الجسمانيات « من نوره » : من نور ذاته الذي هو عين ذاته . « أدبر » أي انصرف إلى الدنيا واهبط إلى الأرض رحمة للعالمين ، فمعنى الإدبار هاهنا بعينه هو معنى الإقبال في الحديث الأوّل ، والتعبير عنه بكلّ منهما صحيح ، فإنّ اللّه سبحانه بكلّ شيء محيط فالإقبال إليه عين الإدبار عنه وبالعكس ، فلا منافاة بين الحديثين في التقديم والتأخير . « أقبل » توجّه إلي وترقّ إلى معارج الكمال باكتساب المقامات والأحوال « خلقا عظيما » إذ به يقوم كلّ شيء بعد تقويم اللّه إيّاه « وكرّمتك على جميع خلقي » إذ هو وسيلة إفاضة نور الوجود على الجميع . « ثم خلق الجهل » وهو جوهر نفساني ظلماني خلق بالعرض وبتبعيّة العقل من غير صنع فيه غير صنع العقل ، يقوم به كلّ ما في الأرض من الشرور والقبائح وهو بعينه نفس إبليس وروحه الذي به قوام حياته الذي تشعّب منه أرواح الشياطين ، ثم خلقت من ظلماتها أرواح الكفّار والمشركين . « من البحر الأجاج » من المادة الجسمانية الظلمانية الكدرة التي هي منبع الشرور والآفات في هذا العالم ، وهو إشارة إلى علّته القابلية ، قال اللّه تعالى وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ « 3 » أي كان بناء العالم الجسماني وقوامه على المادّة التي لها قبول كلّ خير وشرّ كالماء القابل للتشكّلات المختلفة بسهولة ، فمنه عذب فرات ومنه ملح أجاج . وقال أبو جعفر الباقر عليه السّلام : « إنّ اللّه قبل أن يخلق الخلق قال : كن ماء عذبا أخلق منك جنّتي وأهل طاعتي ، وكن ملحا أجاجا أخلق منك ناري وأهل معصيتي ، ثم أمرهما فامتزجا ، فمن ذلك صار يلد المؤمن كافرا والكافر مؤمنا » . « 4 » ويؤيّد هذا التشبيه والتجوّز ويشيّده ما يقال أنّ نسبة المادّة إلى مقبولاتها التي

--> ( 1 ) . الكافي 1 : 20 / 14 . ( 2 ) . معاني الأخبار : 29 . ( 3 ) . هود / 7 . ( 4 ) . المحاسن 1 : 282 / 412 .