الفيض الكاشاني
292
الشافي في العقائد والأخلاق والأحكام
تبلغه . يا أيها الناس ، ليبلّغ الشاهد الغائب ، فربّ حامل فقه ليس بفقيه ، وربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه ، ثلاث لا يغلّ عليهنّ قلب امرئ مسلم : إخلاص العمل للّه تعالى ، والنصيحة لأئمّة المسلمين ، واللزوم لجماعتهم ، فإن دعوتهم محيطة من ورائهم ، المؤمنون اخوة تتكافى دماؤهم ، وهم يد على من سواهم ، يسعى بذمّتهم أدناهم » . فكتبه سفيان ثم عرضه عليه ، وركب أبو عبد اللّه عليه السّلام ، وجئت أنا وسفيان ، فلما كنا في بعض الطريق قال لي : كما أنت حتى أنظر في هذا الحديث ، فقلت له : قد واللّه ألزم أبو عبد اللّه عليه السّلام رقبتك شيئا لا يذهب من رقبتك أبدا فقال : وأي شيء ذلك ؟ فقلت : « ثلاث لا يغل عليهنّ قلب امرئ مسلم : إخلاص العمل للّه » قد عرفناه ، والنصيحة لأئمة المسلمين ، من هؤلاء الأئمة الذين يجب علينا نصيحتهم ؟ معاوية بن أبي سفيان ويزيد بن معاوية ومروان بن الحكم وكلّ من لا تجوز شهادته عندنا ولا تجوز الصلاة خلفهم ؟ وقوله « واللزوم لجماعتهم » فأيّ الجماعة مرجئ يقول ، من لم يصلّ ومن لم يصم ولم يغتسل من جنابة ، وهدم الكعبة ، ونكح أمّه ، فهو على إيمان جبرئيل وميكائيل ؟ أو قدري يقول : لا يكون ما شاء اللّه ، ويكون ما شاء إبليس ؟ أو حروريّ يبرأ من علي بن أبي طالب عليه السّلام ويشهد عليه بالكفر ؟ أو جهمي يقول : إنما هي معرفة اللّه وحده ليس الإيمان شيء غيرها ؟ قال : ويحك وأي شيء يقولون ؟ فقلت : يقولون : إنّ علي بن أبي طالب عليه السّلام واللّه الإمام الذي يجب علينا نصيحته ولزوم جماعتهم أهل بيته ، قال : فأخذ الكتاب فخرقه ، ثم قال : لا تخبر بها أحدا « 1 » . * بيان « لا يغلّ » لا يخون « محيطة من ورائهم » شاملة كلّهم لا يشذّ عنها أحد منهم « بذمّتهم » لعهدهم وأمانهم ، يعني إذا أعطى أحدهم عدّوا أمانا جاز ذلك على جميعهم وليس لهم أن يخفروه « يد على من سواهم » أي هم مجتمعون على أعدائهم لا يسعهم التخاذل ، بل يعاون بعضهم بعضا على جميع الأديان والملل ، كأنه جعل أيديهم يدا واحدة ، وفعلهم فعلا واحدا ، ولمّا كان المراد بأئمّة المسلمين خافيا على جماهير الناس صدّر الحديث بما صدّر ومهّد له ما مهّد عليه السّلام « والمرجئ » من يقول بأن الإيمان لا يضرّ معه معصية « والقدريّ » من يقول بالتفويض « والحروريّ » الخارجي منسوب إلى قرية بالكوفة كانت مجمع الخوارج تسمّى بحروراء « والجهمي » أصحاب جهم بن صفوان ، ولعمري أن الثوري بخرقه الكتاب قد أتى
--> ( 1 ) . الكافي 1 : 403 / 2 .