الفيض الكاشاني

239

الشافي في العقائد والأخلاق والأحكام

مستطيعين بالاستطاعة التي جعلها اللّه فيهم » قيل : وما هي ؟ قال : « الآلة ، مثل الزاني إذا زنى كان مستطيعا للزنا حين زنى ، ولو أنّه ترك الزنا ولم يزن كان مستطيعا لتركه إذا ترك » ثم قال : « ليس له من الاستطاعة قبل الفعل قليل ولا كثير ، ولكن مع الفعل والترك كان مستطيعا » . قيل : فعلى ما ذا يعذّبه ؟ قال : « بالحجة البالغة والآلة التي ركّبها فيهم ، إنّ اللّه لم يجبر أحدا على معصيته ، ولا أراد إرادة حتم الكفر من أحد ، ولكن حين كفر كان في إرادة اللّه أن يكفر ، وهم في إرادة اللّه وفي علمه ألّا يصيروا إلى شيء من الخير « 1 » » . قيل : أراد منهم أن يكفروا ؟ قال : « ليس هكذا أقول ، ولكنّي أقول : علم أنهم سيكفرون ، فأراد الكفر لعلمه فيهم ، وليست إرادة حتم ، إنما هي إرادة اختيار » « 2 » . * بيان قوله : « ليس له من الاستطاعة قبل الفعل قليل ولا كثير » إشارة إلى نفي وقوع الفعل بالأولوية ، وتقريراته ما لم يجب لم يوجد . وقول السائل : فعلى ما ذا يعذّبه ؟ يعني إذا كان جميع ما يتوقف عليه فعل العبد من قدرته واستطاعته بخلق اللّه وجعله فيه ، فلما ذا يعذّب الكافر ويعاقب العاصي ؟ فأجاب عليه السّلام بأنّ تعذيب اللّه لعباده ليس من جهة غرض له فيه ؛ لأنّه سبحانه بريء من الغرض ، غني عمّا سواه ، بل انساقت حجّته البالغة وحكمته الكاملة إلى تعذيب فريق وتنعيم فريق بما ركّب في كلّ واحد منهم من الآلات ، وخلق لهم من الدواعي والإرادات ، وغيرها من أسباب المعاصي والطاعات ، والشرور والخيرات ، فانقسمت أفعال اللّه إلى ما ينساق إلى الغاية المطلوبة بالذات ، وإلى ما ينساق إلى غاية أخرى مرادة بالفرض ، فأطلق على الأول اسم المحبوب ، وعلى الثاني اسم المكروه ، وانقسم عباده الذين هم أيضا من فعله واختراعه إلى من سبقت لهم العناية بالحسنى بتسليط الدواعي والبواعث عليه ، لسياقتهم إلى غاية الحكمة ، وإلى من سبقت لهم المشيئة بالردي ، لسياقتهم إلى غاية الحكمة ، فلكل منهما نسبة إلى المشيئة الربّانية . أمّا قوله « انّ اللّه لم يجبر أحدا على معصيته » فالوجه فيه أنّ المجبور هو الذي لم

--> ( 1 ) . في النسخة : الجبر ، والتصحيح من المصدر . ( 2 ) . الكافي 1 : 162 / 3 .