الفيض الكاشاني
220
الشافي في العقائد والأخلاق والأحكام
الزمان الذي يوجد فيه أقوام متعمّقون ، كما أشير إليه في الحديث الذي مضى في ( باب حدّ المعرفة ) بأن يقال : إنّ المشيّة والإرادة والتقدير والقضاء كلّها من فعل اللّه سبحانه ، وهي حكم اللّه في الأشياء على حدّ علمه بها ، وأمّا المشيء المراد المقدّر المقضي الذي يقع في الوجود ، فإنّه ربّما يكون من فعل العبد الذي يطلبه من اللّه تعالى باستعداده ، وهو قد يكون محبوبا مرضيا كالإيمان والطاعات ، وقد يكون مبغوضا مسخوطا كالكفر والمعاصي ، ولا شك أنّ الحكم غير المحكوم به والمحكوم عليه لكونه نسبة قائمة بهما ، فلا يلزم من كون الحكم الذي من طرف الحق خيرا أن يكون المحكوم به الذي من جهة العبد خيرا ومحبوبا ، وهذا هو التحقيق في التقصّي عن شبهة مشهورة ، هي أنّه قد ثبت وجوب الرّضا بالقضاء وعدم جواز الرّضا بالكفر والمعاصي ، فإذا كان الكفر والمعاصي بالقضاء فكيف التوفيق ؟ وفي هذا المقام أسرار طوبى لمن فاز بها . [ المتن ] [ 306 ] 4 . الكافي : عنه عليه السّلام : « أمر اللّه ولم يشأ ، وشاء ولم يأمر ، أمر إبليس أن يسجد لآدم ، وشاء ألا يسجد ولو شاء لسجد ، ونهى آدم عليه السّلام عن أكل الشجرة وشاء أن يأكل منها ولو لم يشأ لم يأكل » « 1 » . * بيان سرّ هذا الكلام أنّ للّه سبحانه بالنسبة إلى عباده أمرين : أمرا إراديّا إيجاديّا ، وأمرا تكليفيا إيجابيا ، والأول بلا واسطة الأنبياء عليهم السّلام ولا يحتمل العصيان ، والمطلوب منه وقوع المأمور به ، ويوافق مشيئته تعالى طردا وعكسا ولا يتخلّف عنها البتة ، فيقع المأمور به لا محالة ، وإليه أشير بقوله عزّ وجلّ : إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ « 2 » والثاني يكون بواسطة الأنبياء عليهم السّلام ، والمطلوب منه قد يكون وقوع المأمور به فيوافق مشيئته تعالى ، ويقع المأمور به من غير معصية فيه ، كالأوامر التي كلّف اللّه بها الطائعين ، وقد يكون نفس الأمر من دون وقوع المأمور به لحكم ومصالح ترجع إلى العباد ، فهذا الأمر الذي لا يوافق المشيئة ولا الإرادة ، يعني لم يشأ اللّه به وقوع المأمور به ولا أراده ، وإن شاء الأمر به وأراد وأمر ، ولذلك لم يقع المأمور به .
--> ( 1 ) . الكافي 1 : 15 / 3 . ( 2 ) . النمل ( 27 ) : 40 .