الفيض الكاشاني
179
الشافي في العقائد والأخلاق والأحكام
ومحلّه على حسب طاقته ، وإنّما فقرها وفقدها ونقصها بالقياس إلى ذواتها ، وقوابل ذواتها وليس هناك إمكان وقوّة البتّة ، فالمكان والمكانيات بأسرها بالنسبة إلى اللّه تعالى كنقطة واحدة في معيّة الموجود وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ والزمان والزمانيات بآزالها وآبادها كان واحد عنده في ذلك . جفّ القلم بما هو كائن ، ما من نسمة كائنة إلّا وهي كائنة ، والموجودات كلّها شهادياتها وغيبيّاتها كموجود واحد في الفيضان عنه ، ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ « 1 » وإنما التقدم والتأخر والتجدّد والتصرّم والحضور والغيبة في هذه كلّها بقياس بعضها إلى بعض وفي مدارك المحبوسين في مطمورة الزمان المسجونين في سجن المكان لا غير ، وإن كان هذا لما تستغربه الأوهام ويشمئز عنه قاصر والأفهام . وأمّا قوله عزّ وجل كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ « 2 » فهو كما قاله بعض أهل العلم : إنها شؤون يبديها لا شؤون يبتديها ، ولعل من لم يفهم بعض هذه المعاني يضطرب فيصول ويرجع فيقول : كيف يكون وجود الحادث في الأزل ؟ أم كيف يكون المتغيّر في نفسه ثابتا عند ربّه ؟ أم كيف يكون الأمر المتكثّر المتفرّق وحدانيا جمعيّا ؟ أم كيف يكون الأمر الممتدّ - أعني الزمان - واقعا في غير الممتدّ - أعني اللازمان - مع التقابل الظاهر بين هذه الأمور ؟ فلنمثّل له بمثال حسّي يكسر سورة استبعاده ، فإن مثل هذا المعترض لم يتجاوز بعد درجة الحسّ والمحسوس ، فليأخذ أمرا ممتدّا كحبل أو خشب مختلف الأجزاء في اللون ، ثم ليمرّره في محاذاة نملة أو نحوها ممّا تضيق حدقته عن الإحاطة بجميع ذلك الامتداد ، فإن تلك الألوان المختلفة متعاقبة في الحضور لديها ، يظهر لها شيئا فشيئا ، واحدا بعد واحد آخر لضيق نظرها ، ومتساوية في الحضور لديه يراها كلّه دفعة لقوّة إحاطة نظره وسعة حدقته ، وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ . آخر كتاب التوحيد والتمجيد ، والحمد للّه أولا وآخر .
--> ( 1 ) . لقمان ( 31 ) : 28 . ( 2 ) . الرحمن ( 55 ) : 29 .