الفيض الكاشاني

143

الشافي في العقائد والأخلاق والأحكام

العدد إلى ما لا نهاية له في الكثرة » . قال هشام : فكان من سؤال الزنديق أن قال : فما الدليل عليه ؟ فقال أبو عبد اللّه عليه السّلام : « وجود الأفاعيل دلّت على أنّ صانعا صنعها ، ألا ترى أنّك إذا نظرت إلى بناء مشيّد مبنيّ علمت أن له بانيا ، وإن كنت لم تر الباني ولم تشاهده ؟ » . قال : فما هو ؟ قال : « شيء بخلاف الأشياء ، أرجع بقولي إلى إثبات معنى وأنّه شيء بحقيقة الشيئيّة غير أنّه لا جسم ولا صورة ، ولا يحسّ ولا يدرك بالحواس الخمس ، لا تدركه الأوهام ، ولا تنقصه الدهور ، ولا تغيّره الأزمان » . فقال له السائل : فتقول : إنّه سميع بصير ؟ قال : « هو سميع بصير ، سميع بغير جارحة ، وبصير بغير آلة ، بل يسمع بنفسه ، ويبصر بنفسه ، ليس قولي إنّه سميع يسمع بنفسه ويبصر بنفسه إنّه شيء والنفس شيء آخر ، ولكن أردت عبارة عن نفسي إذ كنت مسؤولا ، وإفهاما لك إذ كنت سائلا ، فأقول : إنّه سميع بكلّه ، لا أنّ الكلّ منه له بعض ، ولكنّي أردت إفهامك ، والتعبير عن نفسي ، وليس مرجعي في ذلك إلّا إلى أنّه السميع البصير العالم الخبير بلا اختلاف الذات ولا اختلاف المعنى » . قال له السائل : فما هو ؟ قال أبو عبد اللّه عليه السّلام : « هو الربّ ، وهو المعبود ، وهو اللّه ، وليس قولي : اللّه إثبات هذه الحروف ألف ولام وهاء ، ولا راء ولا باء ، ولكن ارجع إلى معنى وشيء خالق الأشياء وصانعها وقعت عليه هذه الحروف ، وهو المعنى سمّي به اللّه والرحمن والرحيم والعزيز وأشباه ذلك من أسمائه ، وهو المعبود جلّ وعزّ » . قال له السائل : فإنّا لم نجد موهوما إلّا مخلوقا ؟ قال أبو عبد اللّه عليه السّلام : « لو كان ذلك كما تقول ، لكان التوحيد عنّا مرتفعا ، لأنّا لم نكلّف أن نعتقد غير موهوم ، ولكنّا نقول كلّ موهوم بالحواس مدرك به ، تحدّه الحواس وتمثّله ، فهو مخلوق ولا بدّ من إثبات صانع للأشياء خارج من الجهتين المذمومتين ، إحداهما النّفي هو الإبطال والعدم ، والجهة الثانية التشبيه إذ كان التشبيه هو صفة المخلوق الظاهر التركيب والتأليف ، فلم يكن بدّ من إثبات الصانع لوجود المصنوعين ، والاضطرار منهم إليه [ أثبت ] « 1 » أنّهم مصنوعون ، وأن صانعهم غيرهم وليس مثلهم ، إذ كان مثلهم شبيها بهم في ظاهر التركيب

--> ( 1 ) . أثبتناه من التوحيد / للصدوق : 246 / 1 .