الفيض الكاشاني

125

الشافي في العقائد والأخلاق والأحكام

* بيان « دين » بفتح الدال و « الطاغوت » الشيطان ، مبالغة من الطغيان ، والمراد به هنا من يحكم بغير الحق لفرط طغيانه ، أو لتشبيهه بالشيطان ، أو لأنّ التحاكم إليه تحاكم إلى الشيطان من حيث أنّه الحامل له على الحكم ، كما نبّه عليه تتمة الآية وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيداً « 1 » . وعن أمير المؤمنين عليه السّلام : « كلّ حكم حكم بغير قولنا أهل البيت فهو طاغوت » « 2 » ، ثم قرأ هذه الآية ، « والسّحت » الحرام ، و « الكفر بالطاغوت » أن يعتقد أنّه ليس أهلا للتحاكم ، فمن اعتقد ذلك ثم أراد التحاكم إليه فهو خائن ، فإن لم يرد لكن اضطر إليه ، كما إذا لم يوجد هناك عدل ، أو كان خصمه لا يرضى بالتحاكم إلى العدل ؛ فحينئذ يحتمل حلّ ما أخذ إذا كان حقّا له ثابتا ، لأنه كافر به وقد اضطر إلى التحاكم إليه من غير إرادة منه ، ولعلّ ذلك هو السرّ في قوله تعالى : يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا « 3 » دون يتحاكمون . ثم ظاهر هذا الخبر عدم الفرق في حرمة ما أخذ بحكم الطاغوت بين ما لو تحاكما فيه إلى العدل لم يحكم له بذلك ، وبين ما حكم له بذلك ، لأنّ الأخذ في كليهما بحكم الطاغوت ، وأمّا في صورة الاضطرار فالظاهر الفرق ، هذا كلّه إذا كان الحاكم هو الطاغوت ، فأمّا إذا كان الحاكم هو العدل ، وإنّما أخذ حقّه منه بقوة سلطان الطاغوت ، لتوقّف أخذ حقّه على الاستعانة به ، فليس ممّا نحن فيه من شيء ، بل ذلك حديث آخر ، والظاهر أنّه لم يحرّم الحق بذلك . ثم ظاهر هذا الخبر وما في معناه وروده في سلطان المخالفين وقضائهم ، وفي حكمهم فسّاق قضاة الشيعة وحكّامهم الذين يأخذون الرشا على الأحكام وتوابعها ، ويحكمون بغير حكم أهل البيت عليهم السّلام ، لدخولهم في الطاغوت ، سواء كانوا عارفين بأحكام أهل البيت أم لا ، أمّا إذا لم يحكموا بين الخصمين ، وإنّما حملوهما على الصلح وأخذ البعض والإبراء عن الباقي ، فلذلك حديث آخر . « من كان منكم » أي من الشيعة الإمامية « وعرف أحكامنا » أي من أحاديثنا المحكمات ، لا من اجتهاده في المتشابهات واستنباط الرأي منها بالظنون والخيالات باستعانة الأصول المخترعات « المجمع عليه » أي المتّفق على نقله المشهور بينهم ، وليس المراد به الإجماع المصطلح عليه بين أصحابنا اليوم ، كيف

--> ( 1 ) . النساء ( 4 ) : 60 . ( 2 ) . دعائم الاسلام 2 : 530 / 1883 . ( 3 ) . النساء 4 : 60 .