الفيض الكاشاني
109
الشافي في العقائد والأخلاق والأحكام
أمر اكتتم به ، لما يعلم من جهل نفسه ، لكيلا يقال له لا يعلم ، ثم جسر فقضى ، فهو مفتاح عشوات ، ركّاب شبهات ، خبّاط جهالات ، لا يعتذر ممّا لا يعلم فيسلم ، ولا يعضّ في العلم بضرس قاطع فيغنم ، يذري الروايات ذرو الريح الهشيم ، تبكي منه المواريث ، وتصرخ منه الدماء ، يستحلّ بقضائه الفرج الحرام ، ويحرّم بقضائه الفرج الحلال ، لا مليء بإصدار ما عليه ورد ، ولا هو أهل لما منه فرط ، من ادّعائه علم الحق » « 1 » . * بيان كأنّ الرجل الأول هو المبتدع في الأصول ، والثاني هو المبتدع في الفروع ، كما قاله ابن أبي الحديد « 2 » ، وإنما صارا من أبغض الخلائق ، لأنّ شرّهما متعدّ ، ولأنه شرّ في الدّين ، ولأنّه يبقى بعدهما « عن قصد السبيل » أي السبيل العدل المستقيم المستوي . و « المشغوف » بالمعجمة والمهملة ، وعلى الأول معناه : دخل حبّ كلام البدعة شغاف قلبه ، أي حجابه حتى وصل إلى فؤاده ، وعلى الثاني : غلبه حبّه وأحرقه ، فإنّ الشعف شدّة الحبّ وإحراقه القلب . واللهج بالشيء : الولوع فيه والحرص عليه « عن هدى من كان قبله » أي عن سيرته وطريقته والقمش : الجمع « غان باغباش الفتنة » أي مقيم في ظلماتها أسير بها « وأشباه الناس » كناية عن الجهّال والعوام ، لخلوّهم عن معنى الانسانية وحقيقتها « ولم يغن فيه يوما سالما » لم يلبث في العلم يوما تامّا ، ولم يعش « بكّر » من البكور ، يعني أنّه وإن لم يصرف يوما في طلب العلم ، ولكن خرج في أول الصباح في كسب الدنيا ومتاعها وشهواتها ، أو في كسب الجهالات التي زعمتها الجهّال علما ، وأحدهما هو المعني بقوله : « ما قلّ منه خير ممّا كثر » . وفي « نهج البلاغة » : « فاستكثر من جمع ما قلّ » « 3 » وهو أوضح . والارتواء من الشراب : كالشبع من الطعام ، شبّه علمه الباطل بالماء المتعفّن « ثم قطع » أي جزم « لبس الشبهات » إما بفتح اللام بمعنى الاختلاط وأصله اختلاط الظلام ، وإما بالضم بمعنى الإلباس « في مثل غزل العنكبوت » في عجزه عن
--> ( 1 ) . الكافي 1 : 54 / 6 . ( 2 ) . نهج البلاغة : خطبه 59 ، ذم أهل الرأي ص 60 . ( 3 ) . نهج البلاغة : كلام 17 .