الشهيد الثاني
14
تمهيد القواعد الأصولية والعربية لتفريع قواعد الأحكام الشرعية
في لبنان ، واستشهد سنة 965 في القسطنطنية . قيل في وصفه : إنه كان ربعة من الرّجال ، بوجه صبيح مدور ، وشعر سبط يميل إلى الشقرة ؛ أسود العينين والحاجبين ، أبيض اللون . كأن أصابع يديه أقلام فضة . إذا نظر الناظر في وجهه ، وسمع لفظه العذب ، لم تسمح نفسه بمفارقته ، وتسلو عن كل شيء بمخاطبته ؛ يمتلئ العيون من مهابته ، وتبتهج القلوب لجلالته . ولد الشهيد في عائلة نذرت نفسها للدين والعلم . فقد كان أبوه من كبار أفاضل عصره ، وكان كل أجداده المذكورين من الفضلاء المشهورين ، وجده الأعلى الشيخ صالح من تلاميذ العلامة ، وأخوه وبعض بني عمومته كانوا علماء أفاضل . وأما أبناؤه فقد تسلسل فيهم العلم والفضل زمانا طويلًا ، وسموا بسلسلة الذهب . وعلى أي حال فقد كان الشهيد فلتة من فلتأت الدهر ، ومفخرة من مفاخر الإسلام ، ومنعطفاً في تاريخ العلم ، ومدرسة للأجيال . تراه عالماً عاملًا ، زاهداً عابداً ، فقيهاً ماهراً ، كادّا على عياله ، صابراً محتسباً ، ومشاركاً في جميع العلوم الإسلامية . وما ظنك برجل يحرس الكرم ليلًا ، ويطالع الدروس أو يشتغل بالعبادة ؛ وفي الصباح يلقي الدروس على الطلبة ، ويحتطب لعياله ، ويشتغل بالتجارة أحياناً ، ويباشر بناء داره ومسجده الّذي هو إلى جنبها في قرية جبع ، فكان زاهداً قانعاً جادّاً كادّا للمعاش والمعاد .