أحمد بن الحسين البيهقي

406

دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة

واشتد البلاء والحصر على المسلمين وشغلتهم أنفسهم فلا يستريحون ليلا ولا نهارا وأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبعث رجلا فيخرج من الخندق فيعلم ما خبر القوم فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا من أصابه فقال هل أنت مطلع القوم فاعتل فتركه وأتى آخر فقال مثل ذلك وحذيفة بن اليمان يسمع ما يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في ذلك صامت لا يتكلم مما به من الضر والبلاء فأتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو لا يدري من هو فقال من هذا قال أنا حذيفة بن اليمان قال إياك أريد أسمعت حديثي منذ الليلة ومسألتي الرجال لأبعثهم فيتخبرون لنا خبر القوم قال حذيفة والذي بعثك بالحق إنه لبأذني قال فما منعك أن تقوم حين سمعت كلامي قال الضر والجوع فلما ذكر الجوع ضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال قم حفظك الله من أمامك ومن خلفك ومن فوقك ومن تحتك وعن يمنيك وعن شمالك حتى ترجع إلينا فقام حذيفة مستبشرا بدعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنه احتمل احتمالا فما شق من جوع ولا خوف ولا درى شيئا مما أصابه قبل ذلك من البلاء فانلطق حتى أجاز الخندق من أعلاه فجلس بين ظهري المشركين فوجد أبا سفيان قد أمرهم أن يوقدوا النيران وقال ليعلم كل امرئ من جليسه فقبض حذيفة على يد رجل عن يمينه فقال من أنت قال أنا فلان وقبض يد رجل عن يساره قال من أنت قال أنا فلان وبدرهم بالمسألة خشية أن يفطنوا له ثم أن أبا سفيان أذن بالرحيل فارتحلوا وحملوا الأثقال فانطلقت ووقفت الخيل ساعة من الليل ثم انطلقت وسمعت غطفان الصياح والإرصاء من قبل قريش فبعثوا إليهم فأتاهم الخبر برحيلهم فانقشعوا لا يلوون على شيء وقد كان الله عز وجل قبل رحيلهم قد بعث عليهم بالريح بضع عشرة ليلة حتى ما خلق الله لهم بيتا يقوم ولا رمحا حتى ما كان في الأرض منزل أشد عليهم ولا أكره إليهم من منزلهم ذلك فأقشعوا والريح أشد ما كانت معها جنود الله لا ترى كما قال الله عز وجل