العلامة الحلي

179

تحرير الأحكام ( ط . ق )

ومدح من أجاب إليه بعد الدعاء فقال تعالى إِنَّما كانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وبعث رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله عليّا عليه السّلام قاضيا إلى اليمن وبعث عليّ عليه السلام عبد اللَّه بن العباس قاضيا إلى البصرة وأجمع المسلمون كافّة على مشروعية نصب القضاة بين الناس والحكم بينهم [ - ب - ] القضاء من فروض الكفايات إذا قام به البعض سقط عن الباقين وإن أخلّوا به أجمع استحقّوا بأسرهم العقاب لما فيه من القيام بنظام العالم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والانتصاف للمظلوم قال رسول اللَّه ص إنّ اللَّه لا يقدس أمة ليس فيهم من يأخذ للضّعيف حقّه وللفوائد الحاصلة منه بولاة النبي ص والأنبياء من قبله فكانوا يحكمون لأممهم [ - ج - ] وفي القضاء خطر عظيم وإثم كبير لمن لم يجتمع فيه الشرائط ودرجة القضاء عالية وشروطه صعبة جدّا ولا يتعرّض به أحد حتّى يثق من نفسه القيام بذلك وإنّما يثق بذلك إذا كان عارفا بالكتاب وناسخه ومنسوخه وعامّه وخاصّه وندبه وإيجابه ومحكمه ومتشابهه عارفا بالسنّة وناسخها ومنسوخها عالما باللغة مطلعا بمعاني كلام العرب بصيرا بوجوه الإعراب ورعا عن محارم اللَّه زاهدا في الدنيا متوفرا على الأعمال الصالحة مجتنبا للذّنوب والسيئات شديد الخدر من الهوى حريصا على التقوى هذه عبارة الشيخين رحمهما اللَّه وروي عن النبي ص أنّه قال من جعل قاضيا فقد ذبح بغير سكّين وعن أمير المؤمنين ع القضاة أربعة ثلاثة منهم في النّار وواحد في الجنّة قاض قضى بالباطل وهو يعلم أنّه باطل فهو في النار وقاض قضى بالباطل وهو لا يعلم أنّه باطل فهو في النّار وقاض قضى بالحقّ وهو لا يعلم أنّه حقّ فهو في النار وقاض قضى بالحقّ وهو يعلم أنّه حق فهو في الجنّة وقال الصادق ع الحكم حكمان حكم اللَّه عزّ وجلّ وحكم أهل الجاهلية فمن أخطأ حكم اللَّه عزّ وجلّ حكم بحكم أهل الجاهليّة ومن حكم بدرهمين بغير ما أنزل اللَّه عزّ وجلّ فقد كفر باللَّه تعالى وعنه ع أيّ قاض قضى بين اثنين فأخطأ سقط أبعد من السماء وعن الباقر ع من حكم بدرهمين فأخطأ فقد كفر وعن النبي ص أنّه قال يؤتى بالقاضي العدل يوم القيمة فمن شدة ما يلقاه من الحساب يودّ إن لم يكن قضاء بين اثنين في نمرة [ - د - ] القضاء قد يجب على الشخص بأن يكون من أهله جامعا لشرائطه وليس هناك غيره فيتعيّن على الإمام نصبه ويجب عليه القبول فإن لم يعلم الإمام بحاله وجب عليه أن يأتي الإمام وتعرفه نفسه ليولّيه القضاء أمّا لو كان هناك غيره ممّن جمع الشرائط فإنّه يجب على كلّ واحد منهم على الكفاية على ما تقدّم ولو عيّن الإمام أحدهم تعيّن ووجب عليه وقال الشيخ في المبسوط لا يجب ثمّ إن لم يكن له كفاية استحب له أن يليه لما فيه من طلب رزق مباح على فعل طاعة وهو أولى من طلبه على فعل مباح وإن كان ذا كفاية فإن كان مشهورا بالعلم معروفا به يقصده الناس يستفتونه ويتعلّمون منه فالمستحبّ له الترك لأنّ التدريس والتعليم طاعة وعبادة مع السلامة وأمن من ضرر القضاء وإن كان خامل الذكر لا يعرف علمه ولا يعلم فضله ولا ينتفع الناس بعلمه استحب له التولية ليدلّ على نفسه ويظهر فضله وينتفع الناس به وليس له بذل المال على ذلك وما ذكرناه نحن أوّلًا أقرب وأما الجاهل بالأحكام الشرعية ومأخذها فإنّه يحرم عليه التولية وإن كان ثقة مأمونا وكذا العالم بالأحكام وطرقها القادر على استنباط المسائل من مظانها إذا كان فاسقا ولا ينفذ أحكام أحدهما الفصل الأوّل في التّولية والعزل وفيه [ - يز - ] بحثا [ - أ - ] قد بيّنا استحباب تولّي القضاء لمن يثق من نفسه القيام بشرائطه ويجب على الكفاية وإذا علم الإمام خلوّ بلد عن قاض وجب عليه نصب قاض به فإن امتنعوه أهل البلد أثموا وحلّ قتالهم ظلما للإجابة لاحتياج كلّ بلد إلى حاكم يفصل قضاياهم ولا يمكنهم المضيّ إلى بلد الإمام ومن تمكّنه ذلك فربّما شقّ عليه فوجب أغناهم عنه وعلى الإمام البحث والسؤال لأهل المعرفة بأحوال الناس إن لم يعرف من يصلح للقضاء فإن ذكر له رجل لا يعرفه أحضره وسأله فإذا عرف اجتماع شرائط الحكم فيه ولّاه وإلّا طلب غيره ولو امتنع الجامع للشرائط لم يجبر مع وجود مثله إلّا أن يلزمه الإمام فيجب عليه [ - ب - ] يشترط في القاضي البلوغ والعقل والإيمان والعدالة وطهارة المولد والعلم والذكورة والحرّية على إشكال والبصر كذلك والمعرفة بالكتابة على تردّد فلا ينعقد القضاء للصبيّ وإن كان مراهقا ولا للمجنون سواء كان جنونه مطبقا أو أدوارا ولا لغير المؤمن لأنّه ليس أهلا للأمانة ولا للفاسق كذلك أيضا ولا لولد الزّنا لنقصه وعدم صلاحيّته للإمامة وعدم قبول شهادته في الأشياء الجليلة ولا لغير العالم المستقلّ بأهليّة الفتوى البالغ رتبة الاجتهاد ويشترط معرفة الأحكام والعلم بستة أشياء الكتاب والسنة والإجماع والاختلاف والقياس ولسان العرب أمّا الكتاب فيحتاج في معرفته إلى عشرة أشياء الخاصّ والعام والمقيد والمطلق والمحكم والمتشابه والمجمل والمبين والناسخ والمنسوخ لا في الكتاب أجمع بل في الآيات المتعلّقة بالأحكام وهي نحو من خمس مائة آية وأمّا السنة فيحتاج إلى معرفة ما يتعلّق منها بالأحكام دون سائر الأخبار ويفتقر إلى أن يعرف منها ما يعرف من الكتاب وزيادة معرفة التواتر والآحاد والمرسل والمتّصل والمسند والمنقطع والصحيح والضعيف ويحتاج إلى معرفة المجمع عليه والمختلف فيه وشرائط الإجماع وأمّا القياس فقد أجمع علماؤنا على أنه ليس بحجّة في الأحكام إلّا ما نصّ على علّته فإن في هذا النوع من القياس خلافا والأقرب عندي العمل به فعلى هذا يجب أن يكون عارفا بكيفية شرائطه والاستنباط منه ويجب أن يعرف من النحو واللغة والتصريف ما يتعلّق بالأحكام من الآيات والأخبار الواردة عن النبيّ ص والأئمّة المعصومين ع ويجب أن يعرف