القاضي النعمان المغربي

8

تأويل الدعائم

وكل شيء لا روح فيه ولا نمو له فهو موات وميت ، وكل ما كان له روح ونمو فهو حيوان وحى ، فهذا ظاهر الحياة والموت والحيوان والموات . وباطن ذلك وتأويله ما قدمنا ذكره أن مثل الموت الّذي هذه صفته مثل الكفر والضلالة وما جرى مجرى ذلك ، ومثل الميت والموات مثل الكافر والضال لأن الروح مثله مثل الإيمان فما لا روح فيه فهو ميت ومن لا إيمان له فهو كذلك ميت ومن ذلك قول اللّه جل وعز : ( أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ ) وقال في الكفار : ( أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ ) وقال : ( وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلَا الْأَمْواتُ ) ؛ فهذا الموت هو الموت المذموم في الظاهر والباطن ، والموت الثاني الّذي يكون في الظاهر بعد الحياة ليس بمذموم ظاهره ولا باطنه وما لم يكن ظاهره مذموما فكذلك لا يكون باطنه مذموما والموت بعد الحياة قد أصاب ويصيب أولياء اللّه وقد قال اللّه جل وعز لمحمد نبيه صلى اللّه عليه وعلى آله : ( إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ) ومات صلى اللّه عليه وآله ، ومن مضى قبله من النبيين ومات من بعده ويموت كذلك أولياء اللّه وجميع عباده ولا يبقى إلا هو الواحد الّذي لا شيء مثله البائن بالبقاء عن جميع خلقه وقد جاء عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله أنه قال : « الموت ريحانة المؤمن » وذكر من فضله ما سنذكر منه ما جاء في كتاب دعائم الإسلام إن شاء اللّه مما يصحح ويؤكد ما ذكرناه من أنه محمود غير مذموم ، والموت للأحياء سبب النقلة عن دار الدنيا إلى دار الآخرة ، والآخرة أفضل منزلة ودارا من الدنيا وإن كان من ينقل إليها منهم كما قال اللّه عز وجل : ( شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ ) فالسعيد ينقل إلى السعادة والكرامة والثواب ، والشقي ينقل إلى الشقاء والهوان والعذاب على سبيل الموت الظاهر ، في الأمر الظاهر ، وباطن هذا الموت وتأويله انتقال الأحياء بالحقيقة الذين هم أهل الإيمان عن حال فيه إلى حال ومن درجة إلى درجة بين مرفوع في ذلك وبين مخفوض على قدر ما يوجبه أعمالهم ويحقه لهم استحقاقهم ، فمثل المنقول منهم في الباطن من حال إلى حال مثل المنقول بالموت في الظاهر من دار إلى دار ، وقد جاء عن علي أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه أنه سمع رجلا يقول : الحمد للّه الّذي خلقنا للفناء ، فقال له علي عليه السلام بل للبقاء خلقتم ولكنكم من دار إلى دار تنقلون ، وكذلك ينقل المؤمنون من حال إلى حال ويرتقون من درجة إلى درجة ، وقال اللّه جل وعز : ( لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ ) كذلك نقلوا في ظاهر الخلق حالا عن حال وكذلك ينقلون في باطنه الّذي هو الخلق