القاضي النعمان المغربي
63
تأويل الدعائم
اللّه عز وجل به فقد كره رضوانه لأن من عمل بأمره رضى عنه وقد قال جل وعز : ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا ما أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ . وتأويل ذلك في الباطن أن يبذل المفيد من علم أولياء اللّه لمن أمر أن يبذله لهم من المستفيدين عندما يبذله لهم بطيب نفس منه وانشراح إليهم وإقبال عليهم ، وألا يكون فظّا غليظا ولا منانا متكبرا بل يتواضع في ذلك لهم ؛ لأن الفضل الّذي يؤتيهم ليس هو من فضله وإنما هو فضل اللّه أجراه على يديه لهم ، ومن ذلك قال الصادق جعفر بن محمد صلوات اللّه عليه لبعض دعاته . تواضعوا لمن تعلمونه العلم ولا تكونوا علماء جبابرة فيذهب باطلكم بحقكم ، وقوله إنما يعطى أحدكم جزاء مما أعطيه اللّه ، تأويله في الباطن أن المفيد لا يعطى من يفيده جميع ما عنده من العلم الّذي أعطاه اللّه عز وجل إياه كما لا يعطى في الظاهر المزكى جميع ماله ؛ لأن المفيد لو فعل ذلك لم يكن له فضل على المستفيدين منه وقد جعل اللّه عز وجل للمفيدين فضلا على المستفيدين منه ، وقال وهو أصدق القائلين : « وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ » وقال : « انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ » . فالمفيد إنما يعطى من يفيده من المستفيدين منه بعض ما أعطاه من أفاده ممن هو فوقه ، وبذلك جرت سنة اللّه وحكمته في عباده في الظاهر والباطن ، وإنما يعطى الإنسان في الظاهر من ماله من يسأله ويصل من يصله ويتصدق على من يتصدق عليه ببعض ما في يديه ولا يجوز له أن يخرج من ماله كله ويبقى فقيرا يحتاج إلى أن يسأل غيره . ويتلو ذلك ما جاء عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله أنه قال : « ما هلك مال في بر ولا بحر إلا بمنع الزكاة فحصنوا أموالكم بالزكاة ، وداووا مرضاكم بالصدقة واستدفعوا البلاء بالدعاء » ؛ فهذا في الظاهر كذلك يكون لمن أخلص عمله فيه ونيته للّه عز وجل ، فإذا أخرج صاحب المال زكاته منه طيبة بها نفسه ووضع ذلك موضعه فدفعه إلى ولى زمانه أو إلى من أقامه لقبض ذلك منشرحا به صدره يبتغى بذلك رضوان اللّه ربه وتحصين ماله واثقا بذلك من اللّه جل ذكره ومصدقا لما جاء فيه عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله لا يريد بذلك رياء ولا سمعة ولا يداخله فيه شك ولا شبهة ، كان ذلك تحصين ماله من الهلاك فطاب وحل له ما بقي منه إذا صدقت نيته فيه ، ومن هذا ما يؤثر عن جعفر بن محمد صلوات اللّه عليه أنه قال ؛ اعتل محمد