القاضي النعمان المغربي

57

تأويل الدعائم

الصلاة ما قد عرفتموه وباطنها ما قد أخبرتم به من الدخول في الدعوة الحق فمن ترك الصلاة الظاهرة والباطنة أو إحداهما لم يكن له حظ في الإسلام لأن اللّه جل وعز لا يقبل من عباده ما افترض عليهم حتى يقوموا به ظاهرا وباطنا كما لم يقبل الإيمان به والتصديق لرسوله الّذي هو أصل الإيمان إلا بقول ظاهر باللسان واعتقاد باطن في القلب ، ولو قال قائل بلسانه ولم يعتقده بقلبه لم يقبله منه جل وعز فيما بطن عنده ولو اعتقده بقلبه ولم يقله بلسانه لم يقبله في الظاهر الّذي افترضه كما لا يكون المشرك داخلا في حكم ظاهر الإسلام حتى يلفظ به بلسانه ولا يكون في باطن ما عند اللّه مسلما حتى يعتقد ما قال بلسانه بقلبه ، ومن ذلك قوله جل ذكره لمحمد نبيه صلى اللّه عليه وآله : « إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ » . فأكذبهم في قولهم لما علم أنهم لم يعتقدوا ما قالوه بقلوبهم ولم يقبل ذلك منهم ، ومن ذلك قوله جل من قائل . « وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنه » . ومن أجل نعمه ما تعبد العباد به وجعلهم لهم سببا لنيل النعمة العظيمة الدائمة من الثواب في دار المآب فأخبر أن ذلك لا يكون إلا ظاهرا وباطنا ، وقال وذروا ظاهر الإثم وباطنه ، فلم يقبل ترك ما نهى عنه إلا ظاهرا وباطنا وكما لم يقبل ما أمر به إلا كذلك فجعل كل شيء مما تعبد العباد به ظاهرا وباطنا وافترض عليهم أن يأتوا به كذلك ودل بما أودع أولياءه من الحكمة والبيان على ذلك ليؤدوا إلى من استجاب لهم وأقبل عليهم وأخذ منهم ليقيموا ذلك كما افترضه عليهم ويعبدوه بمعرفة ويعملوا بما أمرهم بالعمل به وينتهوا عما نهاهم عنه بعلم به ، ولم كان ذلك والسبب فيه الّذي أوجبه في الظاهر والباطن بحسب ما افترضه جل ذكره على لسان رسوله محمد صلى اللّه عليه وآله أن الصلاة لا تجزى ولا تقبل إلا بمعرفة وطهارة ، فمن لم يعرف الرسول الّذي جاء بغرض الصلاة ولم يصدقه لم يقبل صلاته في الظاهر ولا في الباطن ، وكذلك من لم يعرف إمام زمانه ويتولاه لم يقبل ذلك كذلك منه ، وإذا صلى في الظاهر بغير طهارة ظاهرة بالماء الظاهر لم يقبل صلاته وإذا دخل في دعوة الحق التي مثلها في التأويل مثل الصلاة ولم يتطهر بالعلم من الكفر والشرك والشك والمعاصي وكان مقيما على ذلك أو على شيء منه لم يكن من أهل دعوة الحق ، ثم قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله لا صلاة إلا بزكاة ، فأبان بذلك قول اللّه عز وجل : « وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ » . وقوله :