القاضي النعمان المغربي
34
تأويل الدعائم
وعن علي صلوات اللّه عليه أنه رأى نعشا يسار به قد ربطت عليه خمر بين حمر وخضر وصفر زين بها ، فدعا به فأزالها عنه وقال : سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله يقول أول عدل الآخرة القبور لا يعرف فيها شريف من وضيع ، فهذا هو الواجب الّذي يؤمر به في الظاهر ، وتأويله في الباطن أن يعدل الناقل في ذلك بين المنقولين فلا يفضل منهم في النقلة أحدا على أحد إذ قد استوفى الحد والدرجة وإن تباينوا في أحوال الدنيا فالعدل عليهم يوجب التسوية بينهم ويتلوه ما جاء عنه صلوات اللّه عليه أنه نظر إلى قوم مرت بهم جنازة فقاموا قياما على أقدامهم لما أظلتهم فأشار إليهم أن اجلسوا . وعن الحسين بن علي صلوات اللّه عليه أنه مر على قوم بجنازة فذهبوا ليقوموا فنهاهم ومشى ، فلما انتهى إلى القبر وقف يتحدث مع أبي هريرة وابن الزبير حتى وضعت الجنازة فلما وضعت جلس وجلسوا ، فهذا هو الواجب ألا يقوم للجنازة إذا مرت إلا من يريد أن يتبعها ولا يجلس حتى توضع على شفير القبر ، وتأويل ذلك في الباطن أنه ليس يقوم بأمر المنقول في درجات دعوة الحق إلا من له أن ينقله فيها ، فإذا أصاره إلى الدرجة الآخرة التي ليس لمثله درجة فوقها ، وهي مثل دفن الميت في الظاهر تركه ولم يكن له بعد ذلك أن يقوم بشيء من أمره وخرج عن حكمه كما يخرج الميت المنقول إلى القبر ، إذا صار إليه عن حكم الحي الّذي كان قبل ذلك ينظر في أموره وأسبابه . ويتلو ذلك ما جاء عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وعلى آله وعن علي صلوات اللّه عليه من الأمر بالسرعة في السير بالجنائز والنهى عن التأنى في المشي بها ، وهذه هي السنة في السير بالجنائز في الظاهر وتأويل ذلك في الباطن تعجيل نقل المنقول في درجات دعوة الحق إذا استحق ذلك ووجب له وترك الثاني به والنهى عن ذلك ؛ ويتلو ذلك ما جاء عن علي صلوات اللّه عليه أنه سئل عن حمل الجنازة أواجب هو على من شهدها قال لا ، ولكنه خير فمن شاء أخذ ومن شاء ترك ؛ فهذا هو الواجب في حمل الجنائز إذا قام بها بعض المؤمنين المسلمين ، فإن لم يقم بذلك أحد فهو فرض على جميعهم حتى يقوم به من يقوم منهم فيسقط الفرض حينئذ عن غيره