القاضي النعمان المغربي
287
تأويل الدعائم
يُرْجَعُونَ » ففعل فذلت فهذا من أمر الدواب ، كذلك ينبغي في الظاهر ويجب أن يفعل بها ، وتأويل ذلك في الباطن ما قد تقدم القول به من أن مثل الدواب في الباطن مثل أسباب أولياء اللّه الذين أقاموهم لحمل العباد على منهاج الهدى والحق ، ومثل ركابها مثل المحمولين على ذلك ، ومثل من يملكها مثل أولياء اللّه الذين أقاموهم لذلك ، فمثل ما جاء في هذا الفصل من النهى عن أن تحمل فوق طاقتها هو ألا يكلف أحدا منهم من أقامه إلا ما يستطيعه ، ويقوم به ولا يحملهم من يفيدونه إلا ما يحملونه إذا هم أعلم بالواجب للمستفيدين منهم فما أعطوهم من ذلك أخذوه بشكر وما أمسكوا لهم عنه لم يحملوهم إياه ولا يثقلوا عليهم بالجلوس إليهم وهم لا يفاتحونهم وذلك مثل الجلوس على الدواب وهي قائمة ، ومن ذلك قول اللّه عز وجل : « فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا « 1 » وقوله : « لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ » « 2 » وقوله : « أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ كَما سُئِلَ مُوسى مِنْ قَبْلُ » « 3 » وقوله ( ص ) : رب دابة مركوبة خير من راكبها تأويل ذلك أن المفيد يكون أفضل من المستفيد منه ، وقد يكون المستفيد أفضل من مفيده في حال الفائدة وبعدها لما تصير إليه أحواله ويكون كذلك أطوع للّه وأكثر ذكرا له منه أعنى الفاضل منها عند اللّه عز وجل بتقواه وصالح عمله ، وعلف الدابة وسقيها مثله في التأويل ما يفيده من يقيم المفيد من أوليائه وأسبابهم من العلم والحكمة مما يقوى به على أمر من فوض إليه أمرهم من المستفيدين منه وألا يقطع ذلك عنه من يقيمه لذلك ، ومثل سمة الدابة في التأويل مثل إظهار أمر المفيدين عند من يستفيد منهم ليعرفوهم ، ومثل النهى عن سمة الدابة في وجوهها مثل النهى عن إشهارهم عند العامة في حال التقية عليهم ، وتأويل استعصاب الدابة هو تخلف المفيد ، والقراءة في أذن الدابة إذا تخلفت مثله مثل إفادة من يقيمه ما تصلح به حاله ، فافهموا أيها المؤمنون ما تسمعون من ظاهر علم الدين وباطنه ، فهمكم اللّه ذلك ونفعكم به وصلى اللّه على محمد نبيه وعلى آله وسلم تسليما وحسبنا اللّه ونعم الوكيل .
--> ( 1 ) الأحزاب : 53 ( 2 ) سورة المائدة : 101 ( 3 ) سورة البقرة 108