القاضي النعمان المغربي
280
تأويل الدعائم
وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً » « 1 » وقد ذكرنا تأويل الصلاة على النبي ( ص ) في كلام طويل في مجلس كامل ، وأن ذلك ليس كما تذهب العامة إليه من قولهم ، ولو كان ذلك كذلك لكان رد القول اللّه سبحانه لأنه أمرهم بالصلاة عليه ، فإذا قالوا اللهم صل على محمد كان ذلك في المتعارف كقول قائل يقول لمن يأمره افعل كذا فيقول له المأمور افعله أنت ، ولكن المصلى في لغة العرب يكون الّذي يتبع الشيء بالشيء ، كما قالوا للسابق من الخيل سابق وللذي يتبعه من بعده مصلى يعنون الفارس الّذي أتبع فرسه به ، فقول اللّه عز وجل : « إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ » يقول يتبعونه من بعده بوصيّه « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً » يقول اتبعوه أنتم كذلك بإمامة وصيه وسلموا الأمر إليه تسليما حقيقيّا بالقول والفعل والنية ، وقد سألوا رسول اللّه ( ص ) كيف نصلى عليك قال : ع م : تقولون اللهم صلى على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين ، فأوجب اللّه عز وجل على لسان رسوله ( ص ) على المؤمنين أن يصلوا إمامة آل الرسول وأن يتبعوا ولاية إمام منهم بعد إمام ، وقد شرحنا جملة هذا القول كما ذكرنا قبل هذا شرحا بليغا بينا ذلك فيه بالحجج الواضحة من الكتاب والسنة ولسان العرب الّذي نزل به القرآن ، فالذي جاء من أن علف الفرس المرتبط وأثره وما يطأ عليه وما يكون منه حسنات لصاحبه فهو كذلك في الظاهر ، وتأويله في الباطن أن كل ما يكون من النقيب من فعل محمود فيما ولى أمره وما يصل إليه بسبب ذلك ، فثوابه لولى الأمر الّذي يقيمه لأنه حسنة من حسناته وللنقيب ثواب قيامه ونيته وعمله لقول اللّه جل ذكره : « فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ » « 2 » وقوله : « يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً » « 3 » . ويتلو ذلك قول رسول اللّه ( ص ) النفقة على الخيل المرتبط في سبيل اللّه هي النفقة التي قال اللّه عز وجل : « الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً » « 4 »
--> ( 1 ) سورة الأحزاب : 56 ( 2 ) سورة الزلزلة : 7 ( 3 ) سورة آل عمران : 30 ( 4 ) سورة البقرة : 274