القاضي النعمان المغربي

153

تأويل الدعائم

من مثل ذلك لطال به الخطاب ، ولكنا نقتصر على ذكر ما هو في هذا الباب فلو قال قائل ما معنى التجرد للإحرام والإحلال والطواف ببيت مبنى قد عرف من بناه وتعظيمه ، والصلاة إليه وتقبيل حجر مركب فيه والسعي بين الصفا والمروة وهما لكمتان والوقوف بعرفة ، والمزدلفة وهما موضعان ، والرمي بالجمار وهي حجارة يقذف بها وأنتم تنكرون على أهل الأوثان تعظيمها وهي حجارة منحونة وممثلة وتكفرون « 1 » من طاف بها وعظمها وتسفهون من رمى الحجارة لغير علة أوجبت الرمي بها ، ولا معنى عندكم للرمى لها ولا معرفة لم يرمى بها إلى غير ذلك من الأعمال في الحج ومناسكه ومشاعره ومعالمه ؟ لم يكن عند أهل الظاهر أكثر من أن يقولوا كذلك فعل رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله : وهي عبادات تعبد اللّه عز وجل العباد بها لا ندري ما أراد بذلك ، كما روى عن عمر بن الخطاب أنه قبل الحجر الأسود ثم قال : واللّه إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ، ولولا أنى رأيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله قبلك ما قبلتك ، فقال له على صلوات اللّه عليه : سبحان اللّه يا عمر بلى واللّه إنه ليضر وينفع ، وما كان اللّه جل ذكره ليتعبد العباد بشيء لا يضر ولا ينفع ، وما كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله ليقبله ولا فضل له في كلام طويل ذكره له وشرح له ظاهرا من القول فيه ، فيقال لمن جهل ذلك وقال بمثل ما عنهم حكيناه إذا ليس لهم مقال غير ذلك وما هو معناه فيما علمناه فيما ينبغي لكم أن تسألوا عما لا تعلمون كما أمركم اللّه عز وجل فيما قال وهو أصدق القائلين : « فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ « 2 » » أوليس من عنده في ذلك علم عن الرسول أحق أن يتبع فيه ويسأل عنه ويؤخذ علمه من قبله ، ولا يرضى بالجهل لذلك من نظر لنفسه فيما كان عندهم ، ولا يكون عند من اقتدى بهم إلى الرضى بذلك أنفة من سؤال من افترض اللّه عز وجل عليهم سؤالهم عما لا يعلمون وحسدا لهم ، كما قال اللّه أصدق القائلين : « أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً » . فاحمدوا اللّه أيها المؤمنون على ما هداكم إليه وأولاكموه من معرفة كمال ما تعبدكم به ، أعانكم اللّه على القيام بذلك وفتح لكم فيه ، وصلى اللّه على محمد نبيه وعلى الأئمة الهداة من أهل بيته ، وسلم تسليما وحسبنا اللّه ونعم الوكيل .

--> ( 1 ) فل ون ( في ى ) . ( 2 ) سورة النحل : 43 .