القاضي النعمان المغربي
15
تأويل الدعائم
والعقاب ، ومن ذلك قول رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله : « الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر » ؛ فالموت يكون على ذلك سبب خروجه من جنته إلى العذاب الّذي يصير إليه ، ويؤيد هذا ما يتلوه من كتاب الدعائم وهو قول رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله : مستريح ومستراح منه ؛ فالمستريح العبد الصالح استراح يعنى إذا مات من غم الدنيا وما كان فيه من العيادة وصار إلى الراحة ونعيم الجنة وأما المستراح منه فالفاجر يستريح منه ملكاه . فظاهر هذا في ظاهر الموت معروف وباطنه في باطن الموت أن المنقول من المؤمنين من درجة إلى ما هو فوقها يستريح ومن هم ما كان فيه في الدرجة التي كان فيها بانتظار نيل الدرجة التي صار إليها ويحق ويسهل عليه ما كان فيه من العبادة والعمل لأنه صعوبة الأعمال وشدتها مع ابتدائها ، وكلما مضى العامل عليها ألفها وأنس بها وسهلت عليه واستراح من ثقلها ومن ذلك قول الصادق جعفر ابن محمد : من عمل عملا من أعمال الخير فليدم عليه سنة لم يرد أنه يقطعه بعد السنة ولكنه إذا دام عليه سنة ألفه وصار له كالعادة وسقطت عنه فيه الكلفة والمشقة . وكذلك قال بعض المتعبدين إني لأخشى ألا أوجر على الصوم لأنى ما أجد له مشقة ، وذلك لما أطاله وتمادى عليه وصار له عادة فلا يجد جوعا ولا عطشا إلا في الوقت الّذي اعتاد فيه أن يأكل ويشرب عند إفطاره ، فالمؤمن إذا انتقل من درجة إلى ما هو أعلى منها سر واستراح وزادت بصيرته وقوى يقينه وخف عليه العمل ؛ وإن أكثر منه وزاده فهذا معنى الراحة من العمل في معنى باطن الموت إلا على أنه يطرح مع ذلك شيئا منه بل يزيد من ذلك ولا يسقط العمل لا مع الموت الظاهر والنقلة من دار العمل إلى دار الجزاء لأن الدنيا دار عمل ، فالعمل فيها لازم لأهلها حتى ينتقلوا منها ولو سقط العمل فيها لسقطت الطاعة فلم يكن فيها إمام ولم يجب على أهلها جهاد عدو ، ولا طاعة ولى ، لأن ذلك من أوجب الأعمال ؛ فيكون ذلك لو كان سبب انقطاع الإيمان والمؤمنين . فاحذروا التهاون بالأعمال واطراح شيء منها أيها المؤمنون وتزودوا منها وادخروا لما أنتم إليه صائرون واحذروا تشبيه المتأولين الضالين عليكم بمثل هذا وغيره مما يجرى في ظاهر القول أن يستعملوه في باطنه وأن لكل شيء حد وحكم يجرى عليه فلا تعدوه ومن أجل القياس والرأي والقول بالهوى هلك من هلك وضلوا عن سواء السبيل وتركوا اتباع الدليل ، فاعملوا بما تؤمرون