القاضي النعمان المغربي
147
تأويل الدعائم
الحج والتردد إلى البيت الحرام في الظاهر فيه فضل وكذلك الفضل في باطن ذلك من الترقي في درجات الفضل مما عند أولياء اللّه من حدود الدين ودرجات العلم والمعرفة ، كما قال اللّه سبحانه : « يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ » « 1 » وقال : « وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ » فإذا عرف المستجيب إمام زمانه وتقلد عهده وفوتح بالعلم وربى به فما دام كذلك فهو بمنزلة المحرم ، ومثله أيضا مثل الطفل الّذي لم يبلغ الحلم فإذا استوثق من العلم والحكمة وصار إلى حد من ينبغي أن يفيد غيره فمثله مثل الّذي راهق الحلم ، فإذا أرقى إلى حد من يفيد غيره كان كمن بلغ في الظاهر مبلغ الحلم ، والماء الّذي يفضى به المحتلم عند الجماع إذا بلغ مثله مثل ما يفيده من العلم ويفضى به إلى المستفيدين منه من بلغ مبلغ الإفادة ، فإذا بلغ ذلك الحد لم يكن يجزيه ما تقدم من معرفة الإمام وعلمه عنده كما لا يجزى الطفل حجة في طفوليته إذا بلغ مبلغ الرجال ، وعليه أن يطلب ويسعى في استكمال علم الحد الّذي صار إليه وما هو فوقه ليرتقى كذلك في درجات العلم ، وكلما ارتقى إلى درجة من ذلك كان مثله في الظاهر مثل من حج حجة بعد حجة ، وكلما زاد من ذلك زاد فضلا كما يكون كذلك في إدمان الحج والمواظبة عليه . ويتلو ذلك ما جاء عن جعفر بن محمد صلوات اللّه عليه أنه قال فيمن حج وهو لا يعرف هذا الأمر ثم من اللّه عليه بمعرفته أو حجه يجزيه ، وإن حج كان أحب إلى ، تأويل ذلك في الباطن أن من اتصل بإمام زمانه اتصالا عرفه وأنه إمام الزمان واعتقد ذلك وصدق به ولم يكن أخذ عليه عهده ثم أخذ عليه من بعد ذلك أنه إن اكتفى بالمعرفة الأولى أجزته والّذي يستحب له أن يعرف ذلك بعد الأخذ عليه بتعريف من عامله وفاتحه بالمعرفة . ويتلو ذلك قوله صلوات اللّه عليه في الناصب أنه إذا حج وهو معتقد للنصب ثم من اللّه عليه بمعرفته أن عليه الحج فيما يستقبل ، تأويل ذلك أنه من عرف إمام زمانه واتصل به وهو ينكر إمامته ويدفعها ثم من اللّه عليه بمعرفته بالحقيقة والدخول في جملة أولياء اللّه أن عليه أن يعرف الإمام حقيقة المعرفة من قبل مفيده ولا تجزيه معرفته قبل ذلك .
--> ( 1 ) المجادلة آية : 11