القاضي النعمان المغربي

128

تأويل الدعائم

المباركون الذين هم باركهم أبو الملكوت إلى الكرامة التي أعدت لكم قبل أساس الدنيا لقد جعت فأطعمتمونى ، وعطشت فسقيتمونى ، وكنت عريانا فكسوتمونى ، وكنت غريبا فآويتموني ومريضا فعدتمونى ومحبوسا فزرتمونى ، عند ذلك يقول أولئك الصديقون يا سيدنا متى رأيناك جائعا فأطعمناك وعطشانا فسقيناك ، وعريانا فكسوناك ومتى رأيناك غريبا فآويناك ، ومريضا ومحبوسا فعدناك وزرناك ، فأجاب الملك وقال الحق أقول لكم إنكم ما صنعتم بأحد من إخواني هؤلاء الصغار بي صنعتموه ، ثم يقول أيضا للذين عن شماله تنحوا عنى أيها الملاعين إلى النار الدائمة المعدة للشيطان وجنوده ؛ قد جعت فلم تطعمونى وعطشت فلم تسقونى وكنت عريانا فلم تكسونى ، وغريبا فلم تؤووني وكنت محبوسا مريضا فلم تعودونى ولم تزورونى ، عند ذلك يجيبون ويقولون يا ربنا متى رأيناك جائعا أو عطشانا أو غريبا أو مريضا أو محبوسا فلم نطعمك ولم نسقك ولم نكسك ولم نؤوك ولم نعدك ولم نزرك ؟ عند ذلك يقول الحق أقول لكم إنكم ما لم تفعلوه بأحد من هؤلاء الصغار لم تفعلوه بي أيضا ، فينطلق بهم إلى العذاب الأليم وبالصديقين إلى الجنة الخالدة ، فهذا أيضا فيه من البيان مثل ما في الّذي قبله إنه إنما يفعل ذلك بأمته ومن أرسل إليه واسترعاه « 1 » ، إذ مثلهم بغنمه وليس لأحد أن يميز غنم غيره ولا أن يحكم فيها مع مخاطبته بذلك أصحابه الذين قال ذلك لهم ، وإن ذلك إنما يكون منه في شعوبهم دون غيرهم ممن سبقهم ومن يأتي من بعدهم ، إذا لا علم له ولا شهادة عنده على من كان قبله ولا من تأتى من بعده . ومن ذلك قول اللّه جل ذكره « فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً » « 2 » وقوله « وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ » « 3 » وقوله « يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ » « 4 » وقوله حكاية عن المسيح ، عليه السلام » : وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ » وقد جاء عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله في المقام الّذي يقيمه اللّه عز وجل لأمته يوم القيامة ما يخرج ذكره عن حد هذا الكتاب ، وإنه ينصب له منبر عن يمين العرش فيرقى عليه

--> ( 1 ) استرعيه ( في ى ) ( 2 ) سورة النساء الآية : 41 ( 3 ) سورة الزمر الآية : 69 ( 4 ) سورة الإسراء الآية 71