القاضي النعمان المغربي

12

تأويل الدعائم

لما في عيادة المرضى من الثواب لمن عادهم ابتغاء ذلك ، وتأويله في الباطن ما قد تقدم القول به من أن تأويل العلة والعليل والعبادة ما يكون من المفيد إلى المستفيد من افتقاد أحواله إذا صار إلى آخر حده الّذي هو فيه ليرقيه إلى حد آخر ، وقد مضى بيان ذلك بتمامه وذكر تأويل الملائكة وصلواتهم في المجلس الّذي قبل هذا المجلس وقوله هاهنا إن العائد يكون في خريف الجنة ، والخريف في اللغة فصل من فصول السنة وهو ثلاثة أشهر تتلو شهور الصيف ويتلوها شهور الشتاء ، وقيل إنما سمى خريفا لأن الثمار تخترف فيه أي تؤخذ من هاهنا ومن هاهنا ، وقد تقدم ذكر البيان على باطن الجنة وأنها دعوة الحق التي بها تنال جنة الخلد في الآخرة ، وأن أمثال ما فيها من الحكمة أمثال أنواع الثمار ، فعلى هذا يكون في باطن التأويل المفتقد لأحوال من يرقيه في درجاتها في خريفها لأنه يخترف من فوائد حكمتها فيما يعانيه من افتقاد أحوال من ينظر في أحواله لينقله في درجاتها على ما توجبه الحكمة فيها وعلى سبيل ذلك يكون كل مفيد ومستفيد فيها يجتنون ويخترفون فيها ثمار الحكمة ، ولذلك وصف اللّه عز وجل ثمارها وأنهارها لأن ذلك في باطنها مثله في التأويل مثل العلم والحكمة . ويتلو ذلك أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله دخل على رجل من بنى عبد المطلب وهو في السوق وقد وجه لغير القبلة ، فقال : « وجهوه إلى القبلة فإنكم إذا فعلتم ذلك أقبلت عليه الملائكة وأقبل اللّه عز وجل عليه بوجهه فلم يزل كذلك حتى يقبض » . وعن علي صلوات اللّه عليه أنه قال : « من الفطرة أن يستقبل بالعليل القبلة إذا احتضر » ، فهذه هي السنة في ظاهر أمر المحتضر أن يوجهه إلى القبلة ، وتأويل ذلك في الباطن ما قد تقدم القول به أن مثل القبلة في الظاهر مثل الإمام في الباطن ، فإذا نقل المؤمن في حالات دعوة الحق من حالة إلى حالة ، فلا بد لمن ينقله في تلك الحالات أن يعرفه فيها ما ينبغي أن يعرفه من صار إلى حدها من أمر إمام زمانه ويبين ذلك له ويؤكده عنده ويوجهه إليه ويقبل به عليه ، ويتلو ذلك ما جاء عن جعفر بن محمد صلوات اللّه عليه من أنه يستحب لمن حضر المنازع أن يلقنه شهادة ألا إله إلا اللّه وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله ، وأنه يستحب لمن حضر المنازع أن يقرأ عند رأسه آية الكرسي وآيتين بعدها ويقرأ : « إِنَّ رَبَّكُمُ »