القاضي النعمان المغربي

98

تأويل الدعائم

جاء يوم القيامة ملجما بلجام من النار . ومنه قول اللّه أصدق القائلين : « إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ » « 1 » ؛ فقوله من بعد ما بيناه للناس في الكتاب يعنى الّذي أمر ببيانه للناس فعلى كل من أقيم للبيان أن يبين لمن أسند إليه أمره ما يجب له بيانه في حده بقدر ما يجب من ذلك له ولا يكتمه ذلك فيهلك جهلا وقد جعل اللّه خلاصه إلى من أقيم لذلك منه ، فإذا لم يفعل ذلك فقد خالف أمر من أقامه من أولياء اللّه وعصبهم ومن عصى أولياء اللّه وخالف أمرهم استحق عذاب اللّه ، وقد قال اللّه جل ذكره لمحمد نبيه ( صلع ) : « يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ » « 2 » وقال : « وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ » « 3 » . فهذه سنة اللّه وأمره لأنبيائه وأئمة دينه ولمن أقاموه لما أقامهم اللّه عز وجل له واستخدموه فيما استخدمهم فيه ، فمن خالف أمرهم أو قصر فيه استحق مقت اللّه وعذابه . وقوله ومقتر فاجر تأويله أن المقتر في الظاهر الّذي لا مال له وهو في الباطن الّذي لا علم له والّذي لا علم له جاهل والجاهل الفاجر في النار . ويتلو ذلك ما جاء عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وعلى آله أنه قال : إن للّه عز وجل بقاعا يدعين المنتقمات يصب عليهن من منع ماله من حقه فينفقه فيهن فهذا في الظاهر هو مما يعاقب به من منع الزكاة وغيرها من حق اللّه عز وجل في ماله ، إنه يمحق في مواطن ، ومن ذلك قول رسول اللّه ( صلع ) أنه قال : ينادى مناد كل ليلة اللهم أعط كل منفق خلفا ، وكل ممسك تلفا . وهذا من نحو ما تقدم القول به إنه لم يهلك مال في بر ولا بحر إلا بمنع الزكاة منه ، وتأويل ذلك في الباطن أن من منع من العلم ما أمر بإذاعته إلى من استرعيه سلط عليه من حجج أولياء اللّه الذين أمثالهم أمثال بقاع الأرض أي جعل له عليه سلطان أن ينتزع من يديه ما جعل له من دعوة الحق ، إذا هو لم يقم فيها بما أمر به ، ومن ذلك قول اللّه جل ذكره : « وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ ، نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ ، إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيراً » « 4 » وقوله : « وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ، وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً

--> ( 1 ) سورة البقرة : 159 . ( 2 ) سورة المائدة : 67 . ( 3 ) سورة النحل : 44 . ( 4 ) سورة الأنعام : 151 .