القاضي النعمان المغربي

91

تأويل الدعائم

أنفقه في حقه ، فذهب بذلك عنه شره ، وإن هو لم يزكه كان غير طاهر لأن الواجب فيه من الزكاة ليس هو من مال من هو في يديه وقد اختلط بما في يديه منه فصار كله حراما عليه وذلك مثل الطعام والشراب الحلال يخالطه غيره من الحرام فلا يحل أكله ولا شربه حتى يزول عنه ما خالطه من الحرام الّذي تداخله ، وتأويل ذلك في الباطن أن المال مثله في الباطن كما تقدم القول بذلك مثل العلم وقد أوجب اللّه جل وعز في العلم الزكاة على لسان رسوله محمد ( صلع ) فقال عليه السلام : لكل شيء زكاة وزكاة العلم نشره وزكاة الأبدان الصيام ؛ فهذا هو كذلك في ظاهر القول ظاهر العلم وتأويله في باطنها أن لا يبخل من أقيم لتأدية علم البيان بما يجب بذله منه لمن يجب ذلك له ، وذلك طهارته كما تكون طهارة المال الّذي هو ظاهره إخراج ما وجب من الزكاة فيه . وزكاة من يلقى ذلك إليه ممن لم يؤذن له في إذاعته كتمانه ، وذلك تأويل قوله : وزكاة الأبدان الصيام ، والصيام مثله في الباطن مثل الكتمان والأبدان كثيفة ثقيلة مثلها في التأويل في هذا المعنى مثل من لم يطلق له البيان ؛ فزكاته وطهارته الكتمان وعلى من يلقى إليه العلم الحقيقي من المستفيدين زكاته ومعنى زكاته هاهنا تكثيره ونموه والزيادة فيه على ما قدمنا من القول بأن ذلك بعض وجوه تأويل الزكاة وأن ذلك كذلك بعض وجوهها في ظاهر اللغة وأن الزكاة النمو والزيادة ، وإنما يكون تكثير العلم ونموه والزيادة فيه عند من يلقى إليه من المستفيدين لمن حافظ عليه ووعاه وحفظه وعمل به ، فإذا رأى ذلك منه مفيده زاده منه فكثر عنده ونما ، وكذلك على المفيدين الذين أقيموا لتأدية العلم أن يزكوه وذلك نشرهم ما ينبغي نشره منه لكل ذي حد بقدر ما يجب له منه فذلك قول رسول اللّه ( صلع ) وزكاة العلم نشره وإذا فعلوا ذلك وعلمه منهم من فوقهم من الممدين لهم زادوهم منه ، إذا رأوا بركة ما كانوا آتوهم من قبل ذلك يفعل ذلك أهل كل طبقة بمن دونهم من المفيدين حتى ينتهى ذلك إلى المفيد الأعلى بارئ البرايا ومعطى العطايا فقد قال وهو أصدق القائلين : « لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ » « 1 » فالعمل الصالح للمنعم من أفضل شكر من أنعم عليه وفيما يشاهد من أهل النظر والتوفير لأموالهم أنهم إذا أعطوا شيئا منها إلى من يتصرف لهم فيه فرأوا في ذلك توفيرا منه زادوه فكيف بأهل البصائر العالية والعقول الصافية أن

--> ( 1 ) سورة إبراهيم : 7 .