القاضي النعمان المغربي
72
تأويل الدعائم
ويأتمون بهم ويدخلون في جملة أتباعهم فإذا أرقى هؤلاء من يلي أمرهم في العلم من درجة إلى درجة أرقاهم إلى مثل ما يستحقه أمثالهم وفاتحهم بما يحتملونه ولم يحمل عليه فوق ما يستطيعونه وعاملهم بمثل ما يفهمون . ويتلو ذلك ما جاء عن أهل البيت صلوات اللّه عليهم أنهم قالوا في الصلاة على الناصب لأولياء اللّه المعادى لهم أنه يدعى عليه وذكروا في الدعاء وجوها كثيرة وأن ليس من ذلك شيء موقن ، فالناصب في الظاهر هو الّذي نصب العداوة لأولياء اللّه مخالفا لأمرهم غير داخل في جملتهم ولا مقر بفضلهم وهو مع ذلك ينتحل ظاهر دعوة الإسلام فالواجب في الظاهر على من حضر جنازته وصلى عليه أن لا يدعو له بخير كما يدعو لغيره من المسلمين إذا كان قد علم ذلك من علم حقيقة بل يدعو عليه بما يستحقه من الدعاء عليه ، ومثله في الباطن من نصب كذلك لأولياء اللّه وعاداهم ممن كان قد صار في جملة المستجيبين إلى دعوتهم فصار بذلك منافقا فهذا يحط من كان يلي أمره درجته ويضعه حيث يضع نفسه ، وقد ذكرنا في ابتداء القول في ذكر الجنائز أن مثل الميت مثل المنقول من درجته إلى درجة في دعوة الحق مرتفعا أو منحطّا كما يكون كذلك في الظاهر الميت المنقول عن الدنيا إلى الآخرة فقد ينقل إلى خير وقد ينقل إلى شر ، وذكرنا في كتاب الطهارة في تأويل غسل الميت مثل ذلك وأن الموت في الباطن مثله مثل الكفر وأوضحنا في كتاب الجنائز معنى ذلك في كلام طويل وأن الموت موتان موت قبل الحياة كما كان الإنسان قبل أن يخلق مواتا ومثل ذلك مثل الكفر وموت بعد الخلق ومثله مثل النفاق في وجه ومثل النقلة في وجه ، النفاق كفر وقد قال بذلك بعض العامة ودفعه آخرون فقالوا الكفر شيء والنفاق شيء وقالوا لا يطلق على المنافقين اسم الكفر وأغفلوا أن اللّه جل وعز قد أطلق ذلك في كتابه عليهم وألزمهم إياه فقال جل من قائل : « إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ » « 1 » يعنى أنهم كذبوا على اعتقادهم فقالوا بألسنتهم ما ليس في قلوبهم ثم قال : « اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ » « 2 » . فأخبر جل من مخبر أنهم قد كفروا بنفاقهم بقلوبهم وإن كانوا لم يظهروا
--> ( 1 ) سورة المنافقون : 1 . ( 2 ) سورة المنافقون : 2 و 3 .