القاضي النعمان المغربي

35

تأويل الدعائم

بين مرفوع ، في ذلك ، وبين محفوض على قدر ما توجبه أعمالهم ، ويحقه لهم استحقاقهم ، فمثل المنقول منهم ، في الباطن من حال إلى حال مثل المنقول بالموت ، في الظاهر من دار إلى دار ، وقد جاء عن أمير المؤمنين ، صلوات اللّه عليه ، أنه سميع رجلا يقول الحمد للّه الّذي خلقنا للفناء ، فقال له علي عليه السلام : بل للبقاء خلقتم ، ولكنكم من دار إلى دار تنقلون كذلك ينقل المؤمنون من حال إلى حال ، ويرتقون من درجة إلى درجة ، وقال اللّه جل وعز : « لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ » « 1 » ، كذلك نقلوا في ظاهر الخلق حالا عن حال وكذلك ينقلون ، في باطنه الّذي هو الخلق الآخر . والنشأة الثانية كما قال اللّه سبحانه ، وذكر خلق الإنسان حتى أكمله ثم قال : « ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ ، فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ ، ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ » ؛ فهذه جملة من القول ، في تأويل الموت قدمناها قبل ذكر ما جاء ، في كتاب الدعائم الّذي قصدنا إلى تأويل ما فيه من ذكر الموت ، والميت وما يصنع به ، في ظاهر أمره ، ونحن نذكر ذلك . وتأويله ، في الباطن إن شاء اللّه ، فالذي جاء في ابتداء كتاب الجنائز ، من الدعائم . ذكر العلل والعيادات والاحتضار : فالعلة في الظاهر هي سبب الموت الظاهر الّذي به تكون النقلة من دار إلى دار « 2 » ، والعلة في الباطن هي العلة والسبب الّذي يوجب نقلة المؤمن من حال إلى حال ، والعيادة ، في الظاهر افتقاد العليل وتعرف أحواله ، والعيادة ، في الباطن افتقاد أحوال من يراد نقلته من المؤمنين ، عن حال إلى حال وعن درجة إلى درجة ليوقف على حقيقة حاله ، وما ينبغي أن ينقل إليه ، وإنما يفتقد ذلك منه من هو فوقه كما لا يعود العليل إلا الصحيح الّذي هو أقوى منه وأصح ، وليس يعوده من كان في مثل حاله ، والاحتضار في الظاهر هو حضور الموت ، وقرب النقلة من الدنيا إلى الآخرة ، وباطنه كذلك قرب نقلة المؤمن من الحال التي ينقل عنها إلى الحال التي ينقل إليها . ويتلو ذلك ما جاء عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وعلى آله ، أنه عاد رجلا من الأنصار ، فشكا إليه ما يلقى من الحمى ، فقال له رسول اللّه صلى اللّه عليه ، وعلى آله : إن الحمى طهور من رب غفور ، فقال الرجل : بل الحمى تفور بالشيخ

--> ( 1 ) سورة الانشقاق ، والآية : 19 . ( 2 ) أدار ( في ى ) .