القاضي النعمان المغربي

26

تأويل الدعائم

والطبيعيات والإلهيات ، فهذه العلوم كلها كانت مطوية في مكتبات الفاطميين . ولا غرو فإن جميع المكتبات المختلفة كانت لها أهمية خطيرة ، ولكن مكتبة الفاطميين في مصر رجحت في المقابلة المكتبة الإسبانية . بلغت الثقافة في عصر المعز الفاطمي أعلى مبلغها ولا سيما في الثقافة التي تتصل بالدعوة الإسلامية كالفلسفة والتفسير ، ونبغ في عهده علماء أفذاذ وشعراء وأدباء وشارك المعز الفاطمي في هذه النهضة العلمية بحظ أوفر ونصيب أكثر . ولا غرو فقد ازدهرت العلوم الإسلامية في القرن الرابع الهجري ورفع البويهيون والحمدانيون لواءها في الشرق كما ساهم الأمويون بالأندلس في هذه النهضة . ولم يكن الفاطميون أقل شأنا في هذا السبيل ، فقد اشتهر المنصور الفاطمي بسعة الاطلاع ، ولم تشغله مهمة الخلافة عن البحث والتأليف بل إنه كثيرا ما كان يحث ابنه المعز أن يتوافر على الدرس ويؤلف الكتب ، وكانت مكتبة المعز بالمنصورية ثم بالقاهرة زاخرة بالكتب وبما تحويه من المعلومات العامة ، وكانت هذه الخزانة الفاطمية ثالثة الخزائن في الإسلام التي اشتهرت بعظمتها وجلالها وكثرة كتبها . كذلك لم يكن الوزراء الفاطميون أقل حماسة في اقتناء الكتب والحصول عليها من الخلفاء وزملائهم في ديار أخرى فقد كان الوزير يعقوب بن كلس يبحث عن العلم ويجمع بداره العلماء كما تقدم . وكان في داره قوم ينسخون القرآن الكريم وآخرون ينسخون كتب الحديث والفقه والأدب والطب ، ثم يقارنونها ويشكلونها وينقطونها ، وقد خلّف برجوان أستاذ الحاكم من الكتب ما لا حصر له ، كما كان للمشير بن فاتك - وهو من أمراء مصر - خزائن عظيمة . وكانت هذه الخزانة الفاطمية ثالثة الخزائن في الإسلام التي اشتهرت بعظمتها وجلالها وكثرة كتبها وأهميتها الكبرى . أما أولى هذه الخزائن فهو بيت الحكمة العباسي ببغداد ، وقد أسسه هارون الرشيد ( 170 - 193 ه‍ ) وجمع من الكتب ما لا يحصى كثرة ، ولم يزل على ذلك إلى أن استولى المغول على بغداد سنة 656 ه‍ فذهبت هذه الخزائن العباسية فيما ذهب وذهبت معالمها وعفت آثارها . أما الخزانة الثانية فهي خزانة خلفاء بنى أمية بالأندلس ، وكان منشئها الخليفة