القاضي النعمان المغربي

89

تأويل الدعائم

قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً » ولا من الكفار إذ لم يتولوهم ، والضرب الآخر الذين خالفوا ولى أمرهم وخرجوا من ولايته ففي أمثالهم يقول اللّه : « إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا : نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ » إلى قوله : « ذلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا » فهذا حكم النفاق والبيان على أهله وطبقاته فأمّا المنسوبون إلى العلم والكلام من العامة فلم يعرفوا للنفاق إلا وجها واحدا ، واختلفوا في النفاق فقال بعضهم هو كفر والمنافق كافر ، وقال آخرون المنافقون ليسوا بكفار ، فباطن حكم ما تقدم القول به من أنه لا يجب الاستنجاء من الريح ولا من النوم وأن مثل الريح مثل النفاق وإنما وجب الوضوء على النائم الّذي استغرق في النوم لأنه لا يدرى لعله قد خرجت منه ريح ، وهو لا يعلم ومثل ذلك في الباطن أن الغافل عن نفسه في أمر دينه والنظر فيه الّذي مثله في الباطن مثل النائم قد لعله كذلك صار إلى النفاق من حيث لا يدرى لغافلته وأما الكفر والشرك باللّه وبأوليائه فلا تكاد الغافلة أن توقع فيهما من لم يقصدهما لأن فيهما البراءة من ولاية أولياء اللّه والدخول في ولاية أعدائه وإن كان في الشرك بعض ما يجرى مع الغافلة فإنه يسير خفى ومن ذلك قول على صلى اللّه عليه وسلم : « إن من الشرك ما هو أخفى من الذرة السوداء على المسح الأسود في الليلة الظلماء » ، كذلك الغائط والبول اللذين مثلهما مثل الشرك والكفر لا يكاد أحدهما أن يخفى متى كان من النائم لوجود عينه إلا أن يكون منه من الشيء اليسير الّذي لا يجد عينه ولا أثره ، والطهارة من النوم تأتى على ذلك وسقوط الاستنجاء عن النائم والّذي يخرج منه الريح معناه أن الاستنجاء إنما كان لعلة إزالة اللطخ فلما لم توجد له عين سقط ذلك ، ومن استنجى استبراء وتنظفا وطلبا للفضل كان للفضل مصيبا كما جاء وتقدم القول بأن من توضأ لغير حدث كان كذلك فكذلك هو في الباطن لا تلزمه البراءة من الكفر والشرك إذا كان النفاق قد أصابه وهو لم يعتقدهما ولا أحدهما إذا أخذ عليه العهد وإن تبرأ منهما كان أفضل له فإن كان الكفر والشرك قد تداخله ثم تاب وأناب إلى ولى أمره فأخذ عليه فلا بد له من أن يأخذ عليه في البراءة من ذلك كله فإن كان مع ذلك قد فارق ظاهر دين الإسلام لم يأخذ عليه عهد الباطن حتى يدخله في الظاهر الّذي خرج منه بعد البراءة مما دخل فيه ، فكل ذلك درجات فبقدر ما يكون للمرء من الأحداث يلزمه من الطهارة في الظاهر والباطن معا . وأما ما جاء في الدعائم من الاستنجاء بالحجارة وما أشبهها من المدر والخرق