القاضي النعمان المغربي

69

تأويل الدعائم

وسلم : اطلبوا العلم وتزينوا معه بالحلم والوقار وتواضعوا لمن تعلمونه العلم ولا تكونوا علماء جبابرة « 1 » . فيذهب باطلكم بحقكم ، فهذا في معنى ما قبله وفيه بيان ما ذكرناه من تأويله . وأما قول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم المذكور في الدعائم منزلة أهل بيتي فيكم كسفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق ، فقوله أهل بيتي يعنى القائمين بدعوته وهم الأئمة من ولده صلى اللّه عليه وسلم والبيت مثل الدعوة وكذلك السفينة مثل الدعوة من ركبها نجا ومن دخل البيت أمن . ومنه قول نوح صلى اللّه عليه وسلم : « ولمن دخل بيتي مؤمنا » ، وقد ذكرنا أن لسان العرب يسمى فيه الشيء باسم ما صحبه ولاءمه فمثل صلى اللّه عليه بيته الّذي هو دعوته بأهل بيته القائمين بها والمعنى الّذي أراد تمثيل دعوته بدعوة نوح هو أنه كما هلك من تخلف عنها كذلك يهلك من تخلف عن دعوته وكما نجا من دخلها كذلك ينجو من دخل دعوته لأن نوحا أول أصحاب الشرائع وأول أولى العزم ومحمد صلى اللّه عليه وسلم آخر أصحاب الشرائع وآخر أولى العزم . وأما ما جاء في كتاب الدعائم من قول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « لا راحة في العيش إلا لعالم ناطق ومستمع واع » ، فالعالم الناطق إمام الزمان والمستمع الواعي حجته ، ثم يجرى ذلك فيمن دونهما من مبلغ عنهما بأمرهما إلى مستمع منه مقبل عليه بالحقيقة ، فهم الذين تكون لهم الراحة في معيشتهم يعنى الراحة الحقيقة الدائمة في دار البقاء فأما راحة عيش الدنيا فليست لهم بل هم فيها في أشد التعب والنصب ومن ذلك قوله تعالى : « وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ » « 2 » . وأما قول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم المذكور في الدعائم : « من أحب الدنيا ذهب حب الآخرة من قلبه وما آتى اللّه عبدا علما فازداد للدنيا حبّا إلا ازداد اللّه عليه غضبا » ، فمثل الدنيا في التأويل الباطن مثل الظاهر ، لأن الدنيا ظاهرة بارزة ، ومثل الآخرة مثل الباطن لأن الآخرة باطنة مغيبة فتأويل ذلك أن من مال إلى علم الظاهر وأحبه ورفض الباطن وأبغضه ، ولا ينبغي كما تقدم القول الإقبال على أحدهما

--> ( 1 ) جبارين ( في ح ) . ( 2 ) سورة العصر .