القاضي النعمان المغربي
354
تأويل الدعائم
عن موضع قيامه به فيبقى في عمى وحيرة منه ، والسنة أن يكون ذلك مع الدعاة وفي مجالسهم التي ذكرنا أن أمثالها وأمثالهم أمثال المساجد في الظاهر ، ومن لم يستطع ذلك ولم يجده أقام الواجب عليه فيه حيث وجده كما يفعل ذلك من لم تمكنه صلاة الكسوف في الظاهر في جماعة ولا حضور المسجد لها . ويتلو ذلك : ذكر صلاة الاستسقاء : والاستسقاء في الظاهر هو سؤال اللّه عز وجل والرغبة إليه في نزول الغيث إذا قحط الناس واحتبس الغيث عنهم في حين أوان نزوله والانتفاع به ، ومثل ذلك في الباطن ما قد تقدم القول به أن مثل الغيث النازل من السماء إلى الأرض مثل العلم والحكمة وما يمد الإمام حجته ومن أقامه لدعوته به من ذلك ، فمتى كان ذلك وجاء في وقته كانت به حياة المؤمنين في أديانهم كما يكون بنزول الغيث في الظاهر حياة أبدانهم إذ بما يكون عنه من النبات نموهم وحياتهم ومعاشهم فإذا احتبس ذلك عنهم وجب عليهم السؤال والرغبة والتضرع والطلب بإخلاص من نياتهم واعتقاد طوياتهم كذلك فهذه جملة القول في تأويل الاستسقاء في الباطن . ويتلوه من كتاب الدعائم قول اللّه عز وجل : « وَإِذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ » « 1 » وتأويله في الباطن أن موسى صلى اللّه عليه وسلم سأل اللّه لقومه إقامة دعوة الحق فيهم بما يحييهم من العلم والحكمة فأمر اللّه تعالى بأن يأمر حجته هارون حينئذ وهو مثل عصاه أن يأمر بابه المقصود للوصول إليه منه وهو داعى الدعاة وباب الأبواب بإقامة النقباء الاثني عشر ، وقد تقدم البيان عنهم وهم أمثال العيون المتفجرة هاهنا لما تفجر منهم من العلم والحكمة ، والحجر مثله مثل النبات الّذي أقامهم وأوصل عن الحجة ما أوصله من العلم والحكمة إليهم وكان تفجر ذلك منه وأقام لكل سبط من أصحاب موسى عليه الصلاة والسلام ، وكانوا اثنى عشر سبطا منهم نقيبا من النقباء الاثني عشر فعلم كل سبط منهم صاحبهم الّذي يأخذون عنه علم دينهم وذلك قول اللّه عز وجل : « قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ » . ويتلو ذلك ما جاء عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه خرج إلى المصلى فاستسقى ، ففعل ذلك في الظاهر ( صلى اللّه عليه وسلم ) استسقاء للغيث الظاهر ، ومثل
--> ( 1 ) سورة البقرة : 60 .