القاضي النعمان المغربي

311

تأويل الدعائم

فلا يقيم دعوة محمد صلى اللّه عليه وسلم إلا الأئمة العدل الذين هم أوصياؤه والأئمة من ذريته ومن تعاطى أن يقوم مقامهم من غيرهم فيدعو إلى هذه الدعوة وليس من أهل ذلك لم يجز أن يتبع ولا أن يستجاب له إلا في حال التقية ، كما جاء ذلك عن علي بن الحسين صلى اللّه عليه وسلم في ظاهر صلاة الجمعة ، وكذلك لا تجزى صلاة الجمعة مع المتغلبين ولا مع من أقاموه لإقامتها إلا في حال التقية منهم ولا يعتد بها ويصلى من صلاها معهم تقية ويصلى الظهر بعد ذلك ، فهكذا يجرى الأمر كذلك في الظاهر والباطن . ويتلو ذلك ما جاء عن علي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : الناس في إتيان الجمعة ثلاثة ، رجل حضر الجمعة باللغو والمراء فذلك حظه منها ، ورجل جاء والإمام يخطب فصلى فإن شاء اللّه أعطاه وإن شاء حرمه ، ورجل حضر قبل خروج الإمام فصلى ما قضى له ثم جلس بإنصات وسكوت حتى يخرج الإمام إلى أن قضيت فهي له كفارة ما بينها وبين الجمعة التي تليها وزيادة ثلاثة أيام وذلك لأن اللّه يقول : « مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها » « 1 » . وقال عليه الصلاة والسلام : لأن أجلس عن الجمعة أحب إلى من أن أقعد حتى إذا قام الإمام جئت أتخطّى رقاب الناس ، فهذا في الظاهر هو الّذي يؤمر به ويجب أن يأتي إلى الجمعة إذا نودي إليها كما قال تعالى : « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ » ومن جاء قبل النداء أو جلس في المسجد ينتظر الصلاة فله ثواب ذلك كما ذكرنا فيما تقدم عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : الجالس في المسجد ينتظر الصلاة في صلاة ما لم يحدث ، وكذلك ينبغي في الباطن أن يكون المؤمن منتظرا لقيام دعوة الحق قبل قيام الداعي إليها كما قال الصادق صلى اللّه عليه وسلم لبعض أوليائه : انتظروا أمرنا وقيام الداعي إلينا فإن انتظار الفرج عبادة ، وإذا قام الداعي يدعو إلى دعوة الحق كان الواجب السعي إليها والمبادرة والمسارعة وترك التخلف عنها فقد قال تعالى : وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ « 2 » ولا ينبغي التخلف عنها إلى أن يصل الناس إليها فيأتي المتخلف يريد أن يتخطّى من سبقه ويتجاوز مرتبته ، وقد ذكرنا الواجب في ذلك عند ذكر الصفوف في الصلاة فهذا تأويل ما جاء من ذكر المبادرة إلى صلاة الجمعة وأما ذكر

--> ( 1 ) سورة الأنعام : 160 . ( 2 ) سورة الواقعة : 10 - 11 .