القاضي النعمان المغربي

264

تأويل الدعائم

وما الخشوع فقال : التواضع في الصلاة وأن يقبل العبد بقلبه كله على ربه فإذا هو أتم ركوعها وسجودها وأتم سهامها صعدت إلى السماء ولها نور يتلألأ وفتحت أبواب السماء وتقول حافظت على حفظك اللّه وتقول الملائكة صلى اللّه على صاحب هذه الصلاة ، وإذا لم يتم سهامها صعدت وبها ظلمة وغلقت أبواب السماء دونها وتقول ضيعتنى ضيعك اللّه ويضرب بها وجهه ، فهذا من الواجب في ظاهر الصلاة أن يستعمل وفضل ذلك كما جاء في ظاهر الخبر ، وتأويله أن الصلاة كما ذكرنا باطنها دعوة الحق ، وإسباغ الوضوء كما ذكرنا مثله مثل المبالغة في التوبة وإخلاصها وترك المعاصي والذنوب بأسرها والركوع مثله مثل طاعة الحجة والسجود مثله مثل طاعة الإمام والخشوع الّذي ذكر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه التواضع في الصلاة هو التواضع في دعوة الحق من كل ذي درجة فيها لمن درجته فوق درجته تواضع اعتراف له بحقه وفضله عليه والتواضع لجميع المؤمنين بطرح التكبر والاستطالة عليهم من كانوا من أهل درجات الإيمان . فقد جاء عن الصادق صلى اللّه عليه وسلم أن قال لبعض دعاته : تواضعوا لمن تعلمونه العلم ولا تكونوا علماء جبارين فيذهب باطلكم بحقكم ، وقد قال تعالى لمحمد صلى اللّه عليه وسلم : « وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ » « 1 » وقال : « فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ » « 2 » . وقوله أن يقبل العبد بقلبه كله على ربه هو إقباله على اللّه بأن ما يفعله في دعوة الحق لوجهه ولما يرجوه من ثوابه وإقباله بقلبه على مربيه فيما يلقيه من العلم والحكمة إليه فإن الإقبال بالقلب على ما يستمع هو الّذي يثبت فيه وما سمع بالأذن ولم يقبل القلب عليه لم يعه . وقوله إن هذى السهام إذا أتمها المصلى صعدت صلاته إلى السماء ولها نور يتلألأ فكذلك ترتفع الصلاة ظاهرها وباطنها وأعمال العباد الصالحة كلها إلى اللّه وإلى أوليائه فارتفاعها في الظاهر إلى السماء ارتفاعها إلى اللّه وارتفاعها في الباطن إلى السماء ارتفاع أعمال أهل كل دعوة إلى إمام زمانهم ومثله مثل السماء كما ذكرنا وأعمال أهل كل دعوة إمام ترفع إليه فما كان منها من الأعمال الصالحة لها نور وذلك ما يجاز

--> ( 1 ) سورة الحجر : 88 . ( 2 ) سورة آل عمران : 195 .