القاضي النعمان المغربي
261
تأويل الدعائم
لا شريك له والإقرار بألوهيته . وقوله وَجَّهْتُ وَجْهِيَ فالتوجه في اللغة تولية الوجه إلى ما يولى إليه وهو الفعل اللازم والوجه مستقبل كل شيء فمعنى قوله وجهت أي قصدت في أمرى هذا من فطر السماوات والأرض وهو اللّه رب العالمين وقوله حَنِيفاً يعنى مائلا عن كل شيء دونه أن أتخذه إلها غيره وقد تقدم ذكر الحنيف وشرحه على التمام . وقوله مسلما يعنى مستسلما إليه ومسلما لحكمه ، وقوله وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ يقول لا أشرك باللّه أحدا وقوله إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي يقول إن دعوتي هذه التي دعيت إليها وما أتقرب به فيها من قربة ومحياي ومماتي يعنى كونه وانتقاله للّه رب العالمين لا شَرِيكَ لَهُ يعنى في ذلك ولا في شيء من أمره وبذلك أمرت يعنى فيما دعى إليه وأنا من المسلمين يعنى من الذين أسلموا له في ذلك واستسلموا لأمره وهذا هو من قول إبراهيم صلى اللّه عليه وسلم الّذي حكاه اللّه عنه بقوله « وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ » « 1 » فملكوت السماوات ما ملك اللّه فيها ملائكته الذين اصطفاهم لرسالته وسوف يأتي ذكر ذلك في موضعه وما أطلع اللّه عز وجل إبراهيم من ذلك عليه لما أراه إياه وما أطلع من قبله إدريس عليه الصلاة والسلام إذ قال : ورفعناه مكانا عليّا ، وما كان قبل ذلك من قصة آدم مع الملائكة وقصة إبليس وقصة عيسى عليه الصلاة والسلام في قول اللّه تعالى : بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ ، وقصة محمد صلى اللّه عليه وسلم في قوله تعالى فيه « سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا » « 2 » والإسراء به وصعوده إلى السماء وكيف كان ذلك وأما ملكوت الأرض فهو ما ملك فيها أولياؤه الذين اصطفاهم رسلا إلى عباده وأئمة لهم وما ملكوه من أقاموه من الوسائط بينهم وبين عباد اللّه وجعلوهم لهم حدودا دونهم . وقوله فلما جن عليه الليل يعنى أن إبراهيم لما اتصل في ابتداء أمره بدعوة الحق وأخذ عليه ميثاقها وأمر بالستر والكتمان وجن ذلك عليه ، ومثله كما ذكرنا مثل الليل ، رأى بعد ذلك داعيا من دعاة دعوة الحق رفعه إليه الّذي أخذ عليه ، ومثله مثل الكوكب مثل الدعاة يهتدى بهم العباد كما يهتدون بالنجوم ، وكما قال اللّه تعالى : « وَعَلاماتٍ
--> ( 1 ) سورة الأنعام : 75 . ( 2 ) سورة الإسراء : 1 .