القاضي النعمان المغربي

194

تأويل الدعائم

تعالى : « إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيماً » « 1 » والكبائر هي الفرائض التي افترضها اللّه ألا يخالف أمره فيها والفواحش التي حرمها أن تجتنب بأسرها وجماع ذلك ما أخذ عليه عهد أولياء اللّه فمن تعدى ما فيه أو شيئا منه بعد أن عاهد اللّه ووليه عليه وأوجب على نفسه ما أوجبه في نقضه فقد أتى الكبائر وما كان مما دون ذلك من محقرات الذنوب وصغائر العيوب فالواجب على المؤمن أن يتوقاها ولا يستهين بشيء منها فإن لم يتحفظ من ذلك حق التحفظ واقترف شيئا منه غير مصر عليه ولا متهاون بأمر اللّه وأمر أوليائه فيه فذلك مما يرجى له إذا قام بما عاهد اللّه عليه أن يتجاوز له عنه وتوقى ذلك والتحفظ منه أولى بالمؤمنين فقد قيل ترك الذنب أيسر من طلب التوبة وهي كلمة حكمة يبتذلها الناس وقعت إليهم من أولياء اللّه . ويتلو ذلك قول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : اسرق السراق من سرق من صلاته ، ظاهر ذلك أن ينقص المصلى في الظاهر من حدود صلاته فلا يتم ركوعها ولا سجودها ولا حدودها وباطنه أن يخون المرء نفسه فيما أخذ عليه في عهد دعوة الحق التي مثلها في الباطن مثل الصلاة فلا يفي بما عاهد عليه ولا ما أوجبه على نفسه . ويتلو ذلك قول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : من لم يتم وضوءه وركوعه وسجوده فصلاته خداج يعنى ناقصة غير تامة فظاهر ذلك في ظاهر الصلاة معروف وباطنه في باطنها ألا يتم طهارته من الذنوب التي أمر بالتطهر منها ويبقى مقيما مصرّا على شيء منها ولا يطيع ولى زمانه ومن نصبه له في كل ما أخذ عليه في عهد دعوة الحق أن يطيع فيه ولا يتم ذلك ولا يفي به وإن قام ببعض ذلك أو بأكثره ووفى به فإنه ينقص في دعوة الحق بمقدار ما نقص من ذلك ولا يستكمل حقائق الإيمان حتى يستكمل جميع ما شرط عليه وأخذ ميثاقه فيه في عهد دعوة الحق . ويتلو ذلك ما جاء عن علي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال الصلاة ميزان من أوفى استوفى باطن ذلك أن دعوة الحق ميزان لمن صار إليها فمن وفي بما أخذ عليه فيها استحق ثواب ما وعد به من الثواب على ذلك وهذا من قول اللّه تعالى : « وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ » « 2 » .

--> ( 1 ) سورة النساء : 31 . ( 2 ) سورة البقرة : 40 .