القاضي النعمان المغربي

188

تأويل الدعائم

ويتلو ذلك ما جاء عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال لا يزال الشيطان هائبا للمؤمن ما حافظ على الصلوات الخمس فإذا ضيعهن تجرأ عليه فألقاه في العظائم ظاهر ذلك ترك الصلاة المكتوبة وباطنه ترك حضور مجالس الدعوة وسماع حكمتها فإذا فعل المؤمن من ذلك تجرأ عليه من بعد ولى زمانه بعد إنكار من كان من مكذب أو منافق وهم أمثال الشياطين لأنهم شطنوا أي بعدوا عن الحق وأهله إذا رآه قد أعرض عن صلاته الظاهرة والباطنة إذ قد علم أنه لم يعرض عن ذلك إلا وقد تهيأ لقبول ما يلقيه إليه من عظائم ما يضله به وما كان مواظبا على صلاته ظاهرا وباطنا تهيبه وعلم أنه على يقين وبصيرة فلم يجسر عليه بشيء من غرور إذ قد يعلم أنه لا يقبله منه ولا يجوز عليه . ويتلوه ما جاء عن أبي جعفر محمد بن علي صلى اللّه عليه وسلم قال أقرب ما يكون العبد من اللّه إذا كان في الصلاة تأويل ذلك أن المؤمن وهو العبد بالحقيقة لتعبده لمن ملك أمره إذا كان في الصلاة ظاهرا وباطنا مقبلا عليها مخلصا فيها قرب من رضى اللّه لا على قرب الحلول لأنه لا يجوز أن يقال إن شاء قرب إلى اللّه من شيء على معنى الحلول والمكان ، والقرب قد يكون بين الرجلين بالاختصاص فيقال فلان أقرب الناس من فلان إذا كان خصيصا به وإن بعد محله منه . ويتلو ذلك ما جاء عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال من أسبغ وضوءه وأحسن صلاته وأدى زكاة ماله وكف غضبه وسجن لسانه وبذل معروفه واستغفر ربه وأدى النصيحة لأهل بيتي فقد استكمل حقائق الإيمان وأبواب الجنة له مفتحة ، فهذه أحوال محمودة في الظاهر والباطن فمن قام بها ظاهرا وباطنا فقد كمل إيمانه وظاهرها معروف وباطنها أن إسباغ الوضوء جملة القول فيه على ما تقدم بيانه تمام الطهارة من المعاصي والذنوب كلها فمن كان طاهرا من المعاصي والذنوب وأحسن صلاته ظاهرا وباطنا بإقامة ظاهر الصلاة لمواقيتها وحدودها وواجب ما أخذ عليه في دعوة الحق فيه التي هي باطنها وأدى زكاة ماله الظاهر وباطنه الّذي هو العلم وسوف يأتي بيان ذلك بتمام شرحه في ذكر الزكاة وكف غضبه في الظاهر لأن الغضب في الظاهر يورط المرء في التعدي إلى ما ليس له في الباطن إلا بتسخط ولا يكره شيئا من الحق كان له أو عليه ولا شيئا يجرى من أمر أولياء اللّه على جميع