القاضي النعمان المغربي
105
تأويل الدعائم
المجلس العاشر من الجزء الأول : [ في ذكر المياه ] بسم اللّه الرحمن الرحيم ، الحمد للّه كنه حمده وصلى اللّه على محمد رسوله وعبده وعلى على صلى اللّه عليه وسلم والأئمة من ولده قد سمعتم نفعكم اللّه بما تسمعون ولا جعله حجة عليكم في الدين ما جاء في باطن ما في كتاب الدعائم من أوله إلى آخر باب الوضوء للصلاة ويتلو ذلك في كتاب الدعائم : ذكر المياه التي يتطهر بها وما يحلها وما ينجسها . قد مر فيما سمعتموه من الباطن أن الماء في الظاهر مثله مثل العلم في الباطن فكما تكون حياة الأجسام في الظاهر بالماء الظاهر كذلك تكون حياة الأرواح في الباطن بالعلم والحكمة وكما يكون في الظاهر بالماء الظاهر طهارة الأبدان الظاهرة كذلك تكون في الباطن طهارة الأرواح الباطنة بالعلم الباطن . ومن ذلك قول اللّه تعالى : « وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ » « 1 » وقوله : « وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنا أَنْعاماً وَأَناسِيَّ كَثِيراً وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً » « 2 » فالعلم هو الّذي يذهب رجز الشيطان وبه يثبت اللّه الذين آمنوا ويربط قلوبهم وهو الّذي صرفه بينهم ليذكروا فأبى أكثر الناس كما أخبر سبحانه إلا كفورا ولم يصدق به إلا القليل الذين أثنى عليهم في كتابه وكذلك لما كان الماء الظاهر به حياة الأبدان الظاهرة وعنه يكون النبات الّذي به الأقوات كان كذلك بالعلم الّذي هو مثله في الباطن حياة الأرواح الحياة الدائمة في دار البقاء في الآخرة ومن ذلك قول اللّه : « وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً » « 3 » فالمراد بالماء هاهنا العلم في الباطن فأما الماء الظاهر فقد سقاه اللّه البر والفاجر والمؤمن والكافر وأما قوله : « وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنا أَنْعاماً وَأَناسِيَّ كَثِيراً » فالأنعام هاهنا أولياء اللّه وأسبابهم الذين أنعم اللّه بهم على العباد وأناسي كثيرا يعنى الذين استجابوا « 4 » لهم ولم يقل إنه سقاه كل الناس والماء منه ما يشرب ويتطهر به ومنه ما يتطهر به ولا يشرب كالماء الملح
--> ( 1 ) سورة الأنفال : 11 . ( 2 ) سورة الفرقان 49 - 50 . ( 3 ) سورة الجن : 16 . ( 4 ) أنسوا بهم ( في ح ) .