ابن الوزان الزياتي
81
وصف افريقيا
اتلفوا كل الكتابات التي تحمل أسماء المغلوبين بكتابتهم الخاصة وذلك كي يهينوا هؤلاء فضلا عن أنهم استبدلوا بها كتابتهم . وهكذا انتزعوا في نفس الوقت ، عدا كرامة الأفارقة ، كل ذكرى عن ماضيهم كي لا يتركوا سوى ذكر الشعب الروماني . وهذا ما أراد فعله أيضا القوط بالنسبة للرومان وما فعله العرب بالنسبة للمخلفات الفارسية . وهذا ما يصنعه اليوم الأتراك في المواقع التي يستخلصونها من النصارى إذ لا يقومون باتلاف الذكريات الجميلة فحسب بل الأسماء المجيدة ، وحتى صور القديسين والقديسات التي توجد في الكنائس « 189 » ألسنا نرى في روما نفسها ، وفي زمننا هذا نفسه ، عمارة فخمة « 190 » أقيمت بنفقات ضخمة ، ولم يكمل بناؤها بعد موت البابا الذي بدأ تشييدها في عهده ؟ ، وذلك ان خليفته اما ان يعمد إلى هدمها كي يشرع ببناء جديد أو يقوم بعد استكمال بنائها بنزع شعارات الحبر المتوفي كي يضع مكانها شعاراته بدعوى أنه أضاف شيئا ما إلى البناء المذكور ، أو يعمد أيضا ، هذا إذا كان منصفا ، إلى ترك شعارات سلفه ويضع شعاراته الخاصة فوقها ، مع كتابات طويلة « في المسطرة وفي الفرجار » في مكان الشرف . " ولهذا لا داعي للدهشة من ضياع الكتابة الإفريقية منذ تسعمائة سنة وان الأفارقة يستعملون الحروف العربية . وقد كتب المؤلف الإفريقي ابن رقيق في تاريخه بحثا طويلا تساءل فيه عما إذا كان للأفارقة كتابة خاصة بهم أم لا . وخلص إلى أن هؤلاء كانت لهم كتابة ، ذاهبا إلى أن من ينكر عليهم ذلك يستطيع ان ينكر عليهم أيضا لسانهم الخاص بهم وبالإضافة إلى ذلك يقول إن من المستحيل على شعب له لغة خاصة به ان يستخدم في كتابته حروفا أجنبية . « 191 » .
--> ( 189 ) هذه الحالة لم تكن عامة . فقد لاحظنا بأنفسنا في كاتدرائية القديس نيقولا ، في فاماغوستا في شرق قبرص ، الذي تحول وسطها إلى جامع وتم كساؤه بالكلس لهذه الغاية ، أن صور جدران صدر الكنيسة التي تمثل قديسين واقفين ، ظلت محترمة ومحفوظة في حالة طيبة جدا ، هذا علما بأن فاماغوستا هذه لم تسقط بيد الأتراك الذين انتزعوها من البنادقة إلا في عام 1571 م « ويصح هذا أيضا بالنسبة لصور جدران كنيسة أيا صوفيا في الآستانة التي ظلت ماثلة وطلى بعضها بالجص رغم تحويل الكنيسة إلى جامع طيلة حكم الخلفاء العثمانيين ( المترجم ) » ( 190 ) إشارة إلى بناء كنيسة القديس بطرس في روما ، الذي استأنفه البابا جول الثاني الذي تسنم منصبه بين 1503 و 1513 م . ( 191 ) يبرهن هذا الفصل على أن الكتابة الليبية والبونية وحتى اليونانية كانت مجهولة في عصر المؤلف ، وسيظل الناس دوما لا يعرفون ما إذا كانت بعض كتب مكتبة الملك البربري هيمبال ، في القرن الأول قبل الميلاد ، مكتوبة بحروف ليبية ، وهذا غير محتمل وعلى كل فان هذه الكتابة كانت منتشرة حتى جزر كناري ( الخالدات ) وفي أواسط الصحراء الكبرى وغربيها وتعتبر كتابة الطوارق تيفيناغ مشتقة منها .