ابن الوزان الزياتي

70

وصف افريقيا

متن الهجن ، وبعد أن استلم منا العوائد دعا كل القافلة لمرافقته حتى خيامه والبقاء فيها مدة ثلاثة أيام كي تستريح . ولما كان مخيمه على مسافة ثمانين ميلا « 146 » خارج طريقنا ، ولما كانت جمالنا مثقلة بالأحمال ، لم يرغب التجار في قبول دعوته كيلا يطيلوا الطريق ، ولكن نظرا لإصرار الأمير على استضافتنا فقد تقرر أن يتابع الجمالة سفرهم مع حيواناتهم وأن يذهب التجار معه . وما إن بلغنا المخيم حتى أمر هذا الرجل الكريم بنحر بضعة جمال ، بين كبير وصغير ، ونفس العدد من الخراف وبعض طير النعام التي اقتنصها في أثناء الطريق . وذكر التجار للأمير بأنه لا داعي لذبح جمال ، إذ ليس من عادتهم أن يأكلوا غير لحم الخراف . فأجابهم بأن عادتهم لا ترى من المناسب الاكتفاء بذبح صغار الماشية في وليمة ، ولا سيما بالنسبة لنا باعتبارنا غرباء ، فضلا عن أننا نزلنا في مخيمه . وهكذا أكلنا ما قدم لنا . ولكن الطعام الرئيسي في هذه الوليمة كان يتألف من لحوم مشوية ومسلوقة . وكان اللحم المقدم على المائدة يتألف من شرائح متبلة بالأعشاب وبكمية طيبة من توابل بلاد السودان . وكان الخبز مصنوعا من دقيق غاية في النعومة من الذرة البيضاء والدخن . وفي نهاية الطعام قدمت لنا التمور بكثرة مع آنية كبيرة مليئة بالحليب . ورغب الأمير كثيرا في أن يشرف الوليمة بحضوره مع طائفة من سراة القوم من حاشيته وبعض أقاربه ، ولكنهم أكلوا على حدة . واستقدم بعض الفقهاء والأدباء الذين كانوا هناك وأجلسهم بجواره . ولم يمس أي نوميدي الخبز في أثناء الطعام ، إذ لم يتناولوا سوى اللحم والحليب . وعندما لاحظ الأمير علينا الدهشة والاستغراب الشديد ، راح يشرح لنا ذلك بكل ملاطفة قائلا : « إنه ولد في هذه الصحاري حيث لا ينبت أي نوع من الحبوب ، وأن الناس كانوا يتغذون بما تنتجه أرضهم . وقال لنا إنه يمتار كل سنة كمية من الحبوب كي يكرم الغرباء الذين يمرون ببلاده . غير أنه من الصحيح القول إن من عادتهم أكل الخبز في أيام بعض الأعياد الكبرى كعيد الفطر وعيد الأضحى « 147 » . وبعد أن أمسك بنا الأمير لمدة يومين في مخيمه وأحاطنا دوما بالكثير من الرعاية وعاملنا بإكرام وحفاوة ، سمح لنا بالذهاب في اليوم الثالث . وأراد أن يرافقنا شخصيا حتى القافلة . وسأقول لكم إن الحقيقة هي أن ثمن الحيوانات التي نحرها لإطعامنا كان

--> ( 146 ) أو 128 كم . ( 147 ) ويدعي عيد تاباسكى في عدة بلاد سودانية أي جنوب الصحراء الكبرى .