ابن الوزان الزياتي

649

وصف افريقيا

الحلقات . وجلد هذا الحيوان على قساوة لا تسمح لراشقة سهام قوية باختراقه . وهناك بعض التماسيح التي لا تأكل شيئا آخر سوى السمك ، ويأكل البعض الآخر الحيوانات الأرضية والبشر . وتظل هذه التماسيح ، الشديدة المكر ، مختبئة قرب ضفاف النهر التي يتردد عليها الناس والحيوانات العديدة . وما ان ترى هذه التماسيح أحدا حتى تقذف فجأة بذيلها خارج الماء ، وتحيط بالرجل أو بالحيوان وتجره نحو الماء وتفترسه . وعندما تأكل يتحرك فكها الأعلى فقط لأن الفك الأسفل ملتحم بعضم الصدر . ولكن ليست كل التماسيح من هذا الصنف ، إذ لو كان ذلك لما استطاع انسان ان يسكن على ضفاف النيجر أو النيل . وقد ابحرت مرة على متن مركب كان يذهب من القاهرة إلى قنا ، وهي مدينة في مصر العليا ، تقع على مسافة أربعمائة ميل من القاهرة « 83 » وبينما كنا في وسط الرحلة « 84 » ، في ليلة كان القمر فيها شبه محجوب خلف الغمام ، صرنا نسير في ريح طيبة ، وكنا نياما جميعا تقريبا ما بين بحارة وركاب . أما بالنسبة لي فقد عدت إلى حجرتي وكنت اشتغل فيها على بصيص شمعة ، عندما ناداني رجل هرم طيب كان يسهر ويبتهل إلى الله . وقال لي : « يا فلان ، أيقظ أحدا من جماعتنا كي يساعدني في التقاط قطعة خشب كبيرة ستكون نافعة لنا في الغد من أجل طهو الطعام » فأجبته : « هل تريد ان احضر بنفسي ؟ فهذا خير من ايقاظ أحد في مثل هذه الساعة » . وكان الوقت منتصف الليل تقريبا . وعندها قال لي الكهل : « سأريك انني أستطيع التقاطها لوحدي » . وعندما أصبح المركب حسب تقديره ، على مقربة من قطعة الخشب ، مد يده لتمرير عقدة انشوطة من هذه الخشبة المزعومة ، وفي هذه الفترة انبثق من الماء ذيل طويل طوّق خصره ورماه على الحال في النهر . وأخذت بالصراخ وقفز كل أهل المركب واقفين على اقدامهم . وطوى الشراع والقى المركب مراسيه . وقفز عدة أشخاص إلى الماء وبقينا حوالي الساعة الكاملة راسين بجوار الشط . ولكن كان كل ذلك عبثا ، إذ لم يعثر على أثر للرجل الهرم واقتنع الجميع بأن التمساح قد افترسه ومع متابعتنا طريقنا المائي رأينا طوائف منها تضم عشرة إلى اثنى عشر فوق جزيرات النيل : وكانت تبقى في

--> ( 83 ) قنا على مسافة 417 ميلا عن القاهرة بالطريق المائية . ( 84 ) أي في انحاء منفلوط وقرب كهف التماسيح المحنّطة المشهور .