ابن الوزان الزياتي

54

وصف افريقيا

هذا أحزان ملكه وتوقع الدمار المحلّق فوق رأس الملك إذا لم يتقدم بعلاج للموقف . فراح يواسي الملك وينصحه بالعبارات التالية : « مولاي ، إن تقلبات الحظ متغيرة ، ولهذا لا يجوز لك أن ترتاب في قواك بسبب الحادث الحالي الذي تعرض له قدرك . وإنني أعتقد أنك إذا قبلت الرأي الذي سيعرضه عليك بكل ولاء وإخلاص خادمك الأمين ، فلن يكون لديّ أدنى ريب في أنك ستسترد في قليل من الوقت كل ما انتزع منك بالتمرد وأنك ستحصل بالتالي على ما تريد . وستبلغ ذلك بدون أن تحتمل أي مغرم ، وبدون أن تكون مضطر الدفع مرتب لجندي واحد ، بل إنني لآمل أن القوى التي سأضعها بين يديك هي التي ستدفع لك . وعند سماع الخليفة هذا الكلام طابت نفسه وسأله كيف يمكن التوصل إلى ذلك . فتابع كلامه قائلا : « مولاي ، إن العرب قد تزايدوا كثيرا حتى إن جزيرتهم لم تعد قادرة على احتوائهم جميعا اليوم ، وما تنتجه تلك البلاد لا يكاد يكفيهم لتغذية ماشيتهم ، لأن هذه البلاد عقيمة لدرجة كبيرة . ولا يشكو الناس هناك من فقدان الأمكنة للسكنى فحسب بل من فقدان الأقوات ، وكان بإمكانهم الانتقال أكثر من مرة إلى إفريقيا فيما لو أذنت لهم بذلك . إذن امنحهم السماح بتحقيق هذا العبور . وبمقابل ذلك سأضع بين يديك مقدارا كبيرا من الذهب » . وعندما فرغ الكاتب « 93 » من كلامه هذا ، بدا على الخليفة أنه لم يقتنع كثيرا بنصيحته . ورأى أن العرب سيكونون سبب خراب إفريقيا ، وأنه لن يجني فائدة من وراء ذلك ، لا هو ولا الثائر . ولكنه حينما رأى أن مملكة إفريقيا أصبحت ضائعة على كل حال من يده ، وجد أن أهون الشرين هو الحصول على مبلغ كبير من المال كما زين له كاتبه ، وأن ينتقم بنفس الوقت من عدوه ، وذلك عوضا عن أن يخسر في آن واحد إفريقيا والمال . فطلب من مستشاره نشر مرسوم يقضي بأن كل عربي يرغب في الهجرة إلى إفريقيا سيسمح له بذلك ، على أن يدفع دينارا واحدا فقط عن نفسه وعن كل فرد من أسرته ، وعلى أن يقسم يمينا بأن يعامل الثائر في إفريقيا معاملة الأعداء . وعلى أثر ذلك اجتاز البلاد قرابة عشر قبائل ، أو نصف سكان جزيرة العرب المقفرة . وكان من بينهم أيضا بعض من أفخاذ قبائل اليمن . وكان عدد الرجال القادرين

--> ( 93 ) أي اليازوري .