ابن الوزان الزياتي

52

وصف افريقيا

بالكثير من الذهب والأقوات « 83 » . فانطلق المولى الأمنين إذن وقاد جيشه مخترقا الصحراء التي تفصل بلاد البربر عن مصر . وقبل ان يصل جوهر إلى الإسكندرية ، كان والي مصر قد انسحب إلى بغداد حيث التجأ إلى الخليفة المطيع للّه « 84 » . وهكذا استولى جوهر على كل مصر وكل بلاد الشام في وقت قصير ولم يلاق سوى مقاومة ضئيلة « 85 » . ولكن جوهر لم يكن مطمئن البال ، فقد خشي أن يباغته خليفة بغداد مع كل جيوش آسيا ، وأن يقوم بهجوم معاكس شديد يؤدى إلى فقدان وسائله الدفاعية وإبادة جيوشه القادمة من بلاد البربر . ولهذا قرر بناء قلعة تتمكن فيها جيوشه من اللجوء إليها عند الاقتضاء لمقاومة الهجوم المعادي « 86 » ، فبنى مدينة أحاطها بسور وظل فيها مقيما ، مع جزء من جيشه لحمايتها ، اي مع أولئك الذين كان يثق بهم كل الثقة . وأطلق على هذه المدينة اسم « القاهرة » « 87 » أي « الغالبة » وتسمى عادة في أوروبا « لوكير » LeCaire « 88 » . وهكذا أصبحت القاهرة تتوسع يوما فيوما بزيادة عدد أحيائها ، ومساكنها ، سواء

--> ( 83 ) لقد كان الاستيلاء على المشرق دوما هدف الخلافة الفاطمية ، فالخليفة الأول في القيروان ، المهدى عبيد اللّه ، والذي نودي به في شهر كانون الأول ( ديسمبر ) 909 م ، أرسل في مطلع شتاء عام 913 - 914 م ، ولده أبا القاسم محمد القايم على رأس حملة ضد مصر وكادت الحملة تنجح ، وأعقب ذلك بحملة ثانية في شتاء 918 - 919 م وانتهت بكارثة حقيقية . أما هذه الحملة الثالثة فقد جهزت بمهارة مع أبهة كبيرة في الوسائل السياسية والعسكرية ، وسار جيش جوهر الصقلي بتاريخ 5 شباط ( فبراير ) 969 م . ( 84 ) لقد كانت السلطة في مصر حينذاك في يد الامراء المتوارثين من الأسرة الإخشيدية . ولما كان الأمير الحاكم ولدا عمره اثنتا عشرة سنة ، هو أحمد بن علي ، فقد كانت مقاليد السلطة بيد الشخصيات الكبيرة ، التي انحاز العديد منهم للدعوة الفاطمية . أضف إلى ذلك أن البلاد كانت تتعرض لأزمة اقتصادية شديدة الخطورة . ولا نعلم على وجه اليقين ما إذا كان الأمير أحمد قد التجأ لجوار الخليفة العباسي في بغداد الفضل المطيع للّه . ( 85 ) لم تحدث أية مقاومة في مصر وأصبحت الخطبة تلقى في الفسطاط باسم الخليفة الفاطمي أبي تميم معدّ المعز بتاريخ الجمعة 9 تموز ( يوليه ) 969 . وفي تشرين الثاني ( نوفمبر ) استولت تجريده بربرية على فلسطين ودمشق . ( 86 ) لم يكن خليفة بغداد العباسي مخيفا ، ولكن مصر كانت مهددة من قبل الفوضويين الخطرين في جزيرة العرب وهم القرامطة . والواقع كان جوهر قد حاول بالفعل حماية الفسطاط من القرامطة . ( 87 ) القاهرة ومعناها الحرفي « الغالبة » ، ولكن الرويات تذكر ان هذا الاسم جاء من اسم كوكب المريخ ، أي القاهر ، وهو برج اليوم الذي شرع فيه ببناء السور ، إذ كان المريخ يمر في سمت خط طول المدينة ، وكان للتنجيم دور كبير من حيث الأهمية في ذلك العصر . إذن يكون معنى القاهرة « المريخية » . ( 88 ) كان يطلق على « الفسطاط » التي كانت عامصة للبلاد اسم « مصر » وهو اسم القطر كله ، وأخذت القاهرة بدورها هذا الاسم « مصر » واحتفظت به في حين أصبحت الفسطاط تدعى « مصر القديمة » التي نسميها خطأ « القاهرة القديمة » .