ابن الوزان الزياتي

390

وصف افريقيا

واستمر هذا الحصار ثلاثين شهر . وكانت الهجمات يومية . ففي كل مساء كانت تبنى زاوية محصّنة لجلب الجنود بأمان حتى أسفل السور . ودخل ملك فاس إلى تلمسان بقوة السلاح ، ونهبها ، ثم اقتاد ملك تلمسان إلى فاس أسيرا حيث ضرب رأسه ورمى بجسده فوق قاذورات المدينة « 45 » وبعدئذ عمل الملك على تخفيف بعض الأضرار التي لحقت بمواطني تلمسان وقصد مملكة تونس بعد أن ترك فيها ابنه عثمان « 46 » نائبا على مملكة تلمسان ، وكانت تلك هي الكارثة الثانية لتي حاقت بمدينة تلمسان « 47 » وفي المرحلة التي ضعفت فيها سلطة المرينيين ، كان سكان تلمسان قد تكاثر عددهم حتى لقد أصبح عدد بيوتها المسكونة يضم ثلاثة عشر ألف أسرة . وتتوزع في تلمسان كل المهن وكل أصناف التجارة بين مختلف الأمكنة والشوارع ، على غرار ما سبق ان فصلناه فيما يتعلق بفاس . ولكن المنازل فيها كانت أقل بهاء مما كانت عليه في فاس . ويوجد في هذه المدينة بضعة جوامع جميلة معتنى بها بصورة حسنة ولها أئمة وخطباء . كما تحوي أيضا خمس مدارس بديعة حسنة البنيان جدا ومزدانة بالبلاط الملون وسواه من الأعمال الفنية . وقد شيّد بعضها ملوك تلمسان ، والبعض الآخر ملوك فاس . كما أن فيها بضع حمامات كبيرة من كل المستويات ، ولكن لا نجد فيها نفس الوفرة بالماء كما في حمامات فاس . وتوجد فيها بضعة فنادق حسب الطراز الأفريقي من بينها اثنان لسكنى التجار البنادقة والجنويين . وفيها حي كبير يضم قرابة خمسمائة بيت لليهود ، وكانوا كلهم أغنياء تقريبا في وقت ما ، قبل أن تنهب ارزاقهم بعد موت الملك أبي عبد الله ، في سنة 923 هجرية ، حتى أنهم أصبحوا بعد ذلك شبه متسولين « 48 » .

--> ( 45 ) في شهر آب ( أغسطس ) 1335 م جاء سادس سلطان مريني وهو أبو الحسن علي كي يحكم الحصار على تلمسان التي كان يحكمها آنئذ السلطان الزياني أبو تاشفين عبد الرحمن . فرمم المنصورة واحتلها . وسقطت تلمسان بهجوم خاطف في 29 نيسان ( ابريل ) 1337 م . ( 46 ) أبو عنان فارس ( 47 ) لقد أراد أبو الحسن على بعد احتلال تلمسان ان يزور ابن عمه ، والد زوجته ، وهو سلطان تونس الحفصي ، أبو يحيى ، في نفس الوقت الذي يطوف فيه بالمقاطعات التي انضوت تحت سلطته ، ولكنه سقط مريضا في معسكره في سهل المتيجة واضطر للعودة إلى فاس . ( 48 ) توفي السلطان أبو عبد الله محمد عام 921 ه / 1516 م .