ابن الوزان الزياتي
30
وصف افريقيا
أن أعمل خيرا من أن أقدمه لاسمكم الشهير . إنني مقتنع بأنه بعد فناء الجسد ينبغي أن يظل هذا الاسم خالدا ، نظرا لأن جنابكم كان الوحيد ، في عصرنا ، الذي عمل على إحياء طريقة القدامى الجليلة في الكتابة في مجال العلوم . فأنتم لم تقلدوا ، ولم تحرفوا ، ولم تنقلوا كتابا عن كتاب ، كما لم تنسبوا لأنفسكم أشياء الآخرين كما فعل الكثيرون ؛ بل عملتم على تمحيص الوقائع بحذق ودراية . وقدمتم للعالم عددا من الطرق الجديدة التي لم يسمع أحد كلاما عنها من قبل بل التي لم يتصورها أحد . وهذا ما حدث في علم الفلك ، فقد اكتشف شخصكم الحركات السماوية مع يقين مطلق ، وأوجد نظرية غاية في احكامها عن وحيدات المركز . وفي الفلسفة ، فقد مهدتم للطريقة السرية التي تولد فينا الذكاء والطريقة التي كانت مجهولة للبحث عن أسباب ظاهرات غريبة ، أسباب ظلّت مخفية خلال العديد من القرون ، كأسباب التوافق والتنافر الطبيعية ، والتي نلاحظها في ظروف كثيرة . أما في مجال الطب فقد درستم لأسباب الأمراض السارية وأفضل الطرق وأسرعها في علاجها . وإني لأترك جانبا قصيدة مرض الزهري ، التي على الرغم من أنها كتبت بقلم جنابكم في سن الشباب ، والتي تبدو كأنها لعبة ، فهي مع ذلك مليئة بأفكار فلسفية وطبية وبديعة جدا ، وموشاة بحلة قشيبة من أفكار قدسية ، ومزدانة بأزهار شعرية متنوعة ، حتى أن رجال عصرنا لا يعتورهم ريب في أنها تعادل القصائد القديمة ، مما يضعها في عداد القصائد التي تستحق البقاء وأن تقرأ خلال قرون لا نهاية لها . لقد اعتبرت الدول والإمارات والثروات والأشياء التي من هذا القبيل والتي يمنحها الحظ ، اعتبرت دائما أمورا غير مستقرة وقصيرة البقاء . وهي في الحقيقة كذلك . أما كنز العقل ، ولا سيما إذا كانت قيمته من مستوى عقل جنابكم ، فمن المعروف يقينا بأنه متين ، يقاوم أية إهانة ويصمد لكل صرف من صروف الدهر ، ويعمل جاهدا ، رغم أنف الزمن ، ليصبح سرمديا وخالدا . وما أقوله هو الحقيقة . وإن من يرغب في التكلم عن حياة عدد ضخم من كبار الأمراء أو الأشراف الذين عاشوا في إيطاليا أو في أجزاء أخرى من العالم ، بل من يرغب في التكلم عن المعاصرين أنفسهم ، فإنه بلا شك سيجد فيما يتعلق بكثير منهم ، إن لم نقل فيما يتعلق بأكبر عدد منهم ، أن اللحد الذي احتوى أجسادهم قد أسدل رداء النسيان على أسمائهم ، بينما نرى أن ذكرى العديد من العلماء والكتاب الذين ماتوا منذ عدة قرون ، لا تزال تعيش بين ظهرانينا ، وتنعم بنضارة نامية في كل ساعة تمضي .