ابن الوزان الزياتي
249
وصف افريقيا
مختلف المهن . ومن بين هؤلاء يوجد بعض العاملين في برد الأشياء الحديدية ، كالركابات والمهاميز ، إذ ليس من عادة الحدادين برد مصنوعاتهم بالمبرد . ويتلوهم العمال الحرفيون الذين يشتغلون بالأخشاب ولكنهم لا يصنعون سوى أشياء كبيرة كالمحاريث وعرائش العربات ودواليب الطواحين وأدوات عادية أخرى . ثم يأتي الصباغون الذين هم جميعا بجوار النهر . وفي سوقهم بركة كبيرة بديعة جدا يغسلون فيها غزل الحرير . ويجيء بعدهم البياطرة الذين يحذون الخيول والحيوانات الأخرى . وأبعد من ذلك نجد الصناع الذين يثبتون أقواس الفولاذ على راشقات السهام . وأخيرا نجد العمال الذين يصقلون الأقمشة الكتانية . وهنا تنتهي أسواق قسم من المدينة ، أي تلك التي تقع في الغرب . وكان هذا الجزء فيما مضى من الزمن ، كما سبق أن ذكرنا ، مدينة قائمة بذاتها ، أنشئت بعد الأخرى ، أي بعد تلك التي تقع على الجانب الآخر من النهر ، أي إلى الشرق « 154 » . القسم الثاني من مدينة فاس هذا ويكون الجزء الشرقي من المدينة متحضرا جدا كذلك . ففيه أبنية جميلة ، ومدارس وجوامع . ولكنه لا يحتوي في الواقع مثل القسم السابق على مختلف طوائف المهن . فلا نجد فيه مثلا نجارين ولا خياطين ولا حذائين باستثناء بعض باعة القماش الصوفي والأشياء الغليظة . وفيه سوق صغيرة للعطارة لا تضم سوى ثلاثين دكانا . ويوجد بجوار سور المدينة صناع القرميد وأفران الخزافين « 155 » ، ونجد تحت هؤلاء سوقا كبيرة تباع فيها
--> ( 154 ) لقد تأسست الأولى ، التي تسمى اليوم المدينة ، في عهد إدريس بن إدريس في عام 193 ه / 809 م وكانت تدعى العالية ، والتي اتخذت اسم مدينة القرويين بسبب اعمارها بثلاثمائة أسرة من القيروان الذين قدموا إليها ليستوطنوها بعد تأسيسها بقليل . أما الثانية التي يظن أن إدريس بن عبد الله هو الذي أنشأها ، فقد بدأ إنشاؤها من خريف 173 ه / 798 م تحت اسم مدينة فاس ، فقد اشتهرت باسم عدوة الأندلسيين ، بعد أن وفد إليها واستقر فيها أربعمائة أسرة أجليت عن قرطبة بعد الثورة الدامية التي اطلق عليها « ثورة الربض Revolte du faubourg » والتي حدثت عام 202 ه / 817 - 818 م . وبعد ان تلاحمت المدينتان في مدينة واحدة على اثر فتح المرابطين لها في عام 1070 م ، لم يعد هناك تمييز بين عدوة القرويين وعدوة الاندلسيين . ولكن منذ بضعة قرون احتفظت الأخيرة باسم العدوة ولا يزال جامعها الكبير يحمل اسم جامع الاندلسيين ، مثلما احتفظ جامع الضفة الأخرى باسم جامع القرويين : ذاك هو وصف العدوة الذي سيأتي بعد قليل . ( 155 ) ولا يزال هؤلاء متجمعين فيه بجوار باب الفتوح .