ابن الوزان الزياتي
238
وصف افريقيا
ولولا أن القانون الذي يلزم المؤرخ به نفسه يدفعني لقول الحقيقة لكان باستطاعتي بكل تأكيد أن أغفل بكل سرور هذا الجزء من وصفي ، ولرجحت السكوت عن اللوم الذي تستحقه هذه المدينة التي نشأت فيها وترعرعت . والحقيقة إذا استثنينا هذا العيب ، فإن مملكة فاس تضم أناسا على درجة عالية من الشرف تفوق كل ما هو في إفريقيا . وليس لهؤلاء الأشخاص أية علاقة مع أرباب الفنادق الذين ذكرتهم . فهؤلاء لا يتردد عليهم سوى السفلة من أحقر الافرازات . ولا يبادلهم الكلام أي تاجر أو صانع مثقف . كما أن من المحظور عليهم دخول الفنادق القريبة من الجامع ، وكذلك الأسواق والحمامات وبيوت الناس . كما أنهم لا يستطيعون إدارة الفنادق المجاورة للجامع حيث يسكن التجار من طبقة سامية . وبتمنى لهم كل الناس الموت . ولكن نظرا لأن الأمراء يستخدمونهم لحاجات الجيش ، كما سبق ، فهم يتركونهم يعيشون تلك الحياة الوقحة البغيضة . الطواحين يوجد في داخل فاس قرابة أربعمائة طاحون ، وهي أبنية تحوي عددا من الرحيات ، إذ يقدّر عدد الرحيات بحوالي الألف . بمعنى أن الطاحون يتألف من قاعة كبيرة قد تحوي أحيانا أربعا أو خمسا أو ست رحيات . ويأتي قسم من سكان الضواحي لطحن قمحهم في المدينة ، كما يوجد بعض الباعة الذين يسمون الطحانة ، ولهؤلاء طواحين مستأجرة ، ويشترون الحب ، ويطحنونه ثم يبيعون الدقيق في دكاكين لهم مستأجرة هي أيضا . ويجنون من هذه المهنة ربحا طيبا لأن كل الصناع الذين لا تكفي مواردهم للتموّن بالحب يشنرون الطحين من هذه الدكاكين ويصنعون خبزهم في بيوتهم . ولكن الاشخاص المرموقين يشترون القمح ويطحنونه في بعض المطاحن الخاصة بأبناء المدينة ويدفعون بيوكشين « 138 » للكيل . وأكثرية هذه الطواحين أحباس « 139 » للجوامع وللمعاهد . والقليل منها أملاك فردية خاصة . وإجارتها مرتفعة تبلغ دينارين عن كل رحى .
--> ( 138 ) أي 15 سنتيم ذهب . ( 139 ) أي أوقاف خيرية .