ابن الوزان الزياتي
211
وصف افريقيا
تاغيه تاغية « 45 » مدينة قديمة بناها الأفارقة بين الجبال التي تؤلف جزءا من جبال الأطلس « 46 » . والطقس بارد جدا وأراضي الزراعة فيها هزيلة خشنة . أما الغابة الرائعة المحيطة بها فهي عرين أسود هائجة . ولا ينبت سوى القليل من القمح في هذه المنطقة ، ولكن يكثر فيها الماعز والعسل . وتتصف هذه المدينة بشدة تقشفها ، فمنازلها رديئة البنيان ، دون كلس . ويوجد قبر ولي عاش في عصر الخليفة عبد المؤمن . ويقال إن هذا الولي قام بالعديد من الخوارق ضد الأسود وأنه كان عرافة عظيما . بل لقد قام أحدهم بتأليف كتاب عن معجزاته وروايتها بعناية واحدة واحدة ، وكان هذا المؤلف رجلا عالما يسمى التادلي . وأعتقد شخصيا بعد قراءة قصة هذه الخوارق بأنها حدثت نتيجة لفن سحري ، أو بالاستعانة بنوع من سر كان يحتفظ به هذا الولي تجاه الأسود « 47 » . وشهرة هذه الأعمال والتبجيل الذي كان يكنه الناس لهذا الولي هما السببان اللذان جعلا هذه المدينة مقصودة بكثرة . ويزور أهالي فاس هذا الضريح في كل السنين بعد عيد الفطر . ويأتيه رجال ونساء وأطفال كأنهم جيش زاحف . ويجلب كل واحد خيمته معه على ظهر دابته فتأتي الحيوانات مثقلة بالخيام وبالحاجات الأخرى الضرورية للمعاش في أثناء المدة التي يقيمها الوافدون . وتتألف كل مجموعة من مائة وخمسين خيمة . وتستغرق الرحلة بين ذهاب وإياب مدة خمسة عشر يوما . وتقع تاغية على مسافة مائة وعشرين ميلا « 48 » من فاس . وقد اصطحبني والدي معه وأنا طفل عند زيارة هذا الضريح . وبعد أن كبرت كنت أقصده أحيانا وفاء لنذر نذرته عندما تعرضت لخطر الموت بسبب الأسود وأنجاني الله من ذلك .
--> ( 45 ) تاغية أو مولاي بوعزة . ( 46 ) إن البلدة ، المعروفة لدينا باسم مولاي بوعزة ، لا تزال تحمل الاسم البربري تاغية ، ومعناها ، كما يظن ، المكان الوعر والمغطى بالغابة . ( 47 ) هذا الولي هو أبو عزة النور بن ميمون بن عبد الله الحزيري ، الذي توفي بعد عمر مديد في نيسان 1177 م . أما راوية خوارقه فكان أبا الحجاج يوسف بن يحيى التادلي الملقب بأبن الزيات ، مؤلف كتاب « التشوق » الذي كتبه سنة 1220 م . ( 48 ) 180 كم .