أحمد فارس الشدياق

99

الواسطة في معرفة أحوال مالطة

تتبلبل الألباب في تركيبها * ويكلّ عنها كلّ حدّ لسان أذنابها ورؤوسها عربية * فسدت وأوسطها من الطلياني فإن قيل : إن الأذناب والرؤوس هنا كناية عن أوائل الألفاظ وأواخرها كأداة المضارعة وال التعريف ونون الوقاية ، وهذه باقية على الأصل ، فلم وصفتها بالفساد ؟ قلت إن أداة المضارعة مكسورة عندهم على كلّ حال ، وكذا أداة التعريف ، والضمير غير ظاهر ، فإنهم يلفظون به كالواو ، ويحتمل أيضا أن يكون ( فسدت ) دعاء في المعنى . ومع كثرة ما بقي عندهم من مفردات العربية وجملها وتأليفها ولا سيّما في الأمور المتعارفة كما ذكر ، فقد ذهب عنهم مرادف الأب وإنّما يقولون ( مسار ) بالإمالة وكأنّها محرّفة عن ( موسيو ) بالفرنسيس ، فإن حقّ التلفظ بها أن يكون ( مونسيور ) ، وكذلك ذهبت عنهم كلمة التحية صباحا ومساء ، فيقولون : ( بون جورنو عليك ) ، ولعلّ سبب ذلك أن المسلمين لما افتتحوا جزيرتهم كانت التحية بينهم ( السلام عليكم ) وكان استعمالها مقصورا عليهم كما هو في بلادنا ، فلم تعرف بين الأهلين . وليس هذا بأعجب من ذهاب تحيات العرب العاربة عن المستعربين ، وقولهم الآن ( صباح الخير ) الظاهر أنّه مولّد . ومن الغريب أن بعض أعيان المالطيين يحاكون الإفرنج في أطوارهم وهيئاتهم حتى إذا نطقوا بلغة أنفسهم زال عنهم ذلك الرواء ، وانجلى ذلك الإبهام ، وإذا تكلّموا خلطوا جملة إيطاليانية بأخرى من لغتهم لكن هذه هي الغالبة فإنّها لغتهم في الطفولة ، وقد أخبرني أحد فضلائهم أنه أقام مدّة طويلة في إيطالية فكان حينئذ يقدر خواطره وأفكاره بلغة أهلها ، ثم لما رجع إلى مالطة لم يلبث أن عاد إلى تقديرها بلغته ، فصدق عليه قول الشاعر : كل امرئ راجع يوما لشيمته * وإن تخلّق أخلاقا إلى حين