أحمد فارس الشدياق
93
الواسطة في معرفة أحوال مالطة
والبيات والحجازي لا ينكر أيضا ، ثم أعود فأقول : لا غرو « 100 » أن يكون قد فاتهم أيضا بدائع في هذا الفن ، كما فاتهم في غيره أشياء أخرى ، وذلك ككثرة بحور العروض عندنا ، وكبعض محسنات الكلام ، وكالسجع في الكلام المنثور إذ ليس عندهم سوى المنظوم وهو في الإنشاء كالصوت المطلق في الغناء ، فإن السجع مقدّم على النظم ، وكعجزهم أيضا عن لفظ الأحرف الحلقية . وقد سألت مرّة أحد أهل الفن منهم فقلت : إن المقامات موجودة عندكم وعندنا على حد سوى « 101 » وكذا أنصافها ، فبقي الكلام على استعمالها ، فإنّا لو استعملنا مثلا نصفا من الأنصاف مع مقامه ، وأنتم تستعملونه مع مقام آخر ، بحيث يظهر لنا أنه خروج ، فمن أين تعلم الحقيقة ؟ . فما كان منه الا أن قال : إن هذا الفن قد وضع عندهم عليأصول هندسيّة لا يمكن خرمها ؛ فلا يصح أن يستعمل مقام إلا مع مقام آخر ، على أني كثيرا ما سمعت منهم خروجا فاحشا على شغفي بألحانهم . وقد شاقني يوما وصف المادحين إلى سماع قينة بلغ من صيتها أنّها غنّت في مجلس قيصر الروس ، فلمّا سمعتها طربت لرخامة صوتها ، وطول نفسها في الغناء إلا أني سمعت منها خروجا بحسب ما وصل إليه إدراكي . ولو تيقّن أن ألحان الروم التي يرتلون بها اليوم في كنائسهم هي كما كان يتغنّى به في أيام الفلاسفة اليونانيين لكان ذلك دليلا آخر على قصور ألحان الإفرنج ؛ فإن أنغام الروم مقاربة لأنغامنا . الخامس : إن أكثر أصحاب الآلات عندهم لا يحسنون إخراج أنصاف النغم وأرباعها ما لم تكن مرسومة لهم ، إلا صاحب الكمنجة ، فأمّا الناي ففيه خروق شتّى غير السبعة ، لكل اثنين منهما طباقة ، إذا سدّ منها منخر جاش منخر ، غير - أن الصنعة في إحكام سدّها واستعمالها تقارب صنعة تغيير نقل الأصابع عندنا ، وهذه الأنصاف والأرباع في النغم
--> ( 100 ) لا غرو : لا عجب . ( م ) . ( 101 ) السّواء ، والسّوى : المثل والنظير . ( م ) .